تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - كان أكمل الخلق في تمثل جمال أخلاق المحبة، أو قل: الأخلاق القرآنية. ومن هنا كان عليه صلوات الله وسلامه أجمع الخَلْق خُلُقا. لأنه كان أجمعهم للقرآن تطبيقا وامتثالا. كما هو منطوق حديث عائشة السالف الذكر. وقد وقف بديع الزمان على هذا المعنى وقفة خاصة، ونبه إلى ما في ذلك من الدلالة على أنما سنته - صلى الله عليه وسلم -هي خُلُق القرآن، ولا شيء سوى خلق القرآن، فمن فاته هذا المعنى فقد فاته اتباع السنة. وفي هذا درس بليغ لأولئك الذين يفصلون بين السنة والقرآن، ويجزئون الأخذ منهما؛ فيغيب عنهم هذا النظر الجامع الذي يبصر من خلاله بديع الزمان الكليات الخلقية في الإسلام. فيكون كثير ممن يدعون الالتزام بالسنة؛ أبعد ما يكونون عنها؛ اتباعا ومقاصد. ذلك درس عظيم ما أحوج حركات التجديد الديني اليوم إلى إدراكه فكرة ودعوة. قال رحمه الله: (ووَصَفَهُ الصحبُ الكرام كما وصفته الصحابية الجليلة الصدّيقة عائشة رضي الله عنها قائلة: (كان خُلُقهُ القرآن). أي: أن محمدا - صلى الله عليه وسلم - هو المثال النموذج لما بينه القرآن الكريم من محاسن الأخلاق، وهو أفضل من تمثلت فيه تلك المحاسن، بل إنه خُلق فطرة على تلك المحاسن (...) ينبغي أن يكون كل من أفعال هذا النبي العظيم - صلى الله عليه وسلم - وأقواله وأحواله، وكل من حركاته نموذج اقتداء للبشرية. فما أتعس أولئك المؤمنين من أمته الذين غفلوا عن سنته - صلى الله عليه وسلم - ممن لا يبالون بها، أو يريدون تغييرها، فما أتعسهم! وما أشقاهم!)(1). بل إن مقياس اتباع السنة إنما هو رهين بدرجة التخلق بأخلاق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ذلك أن الله (سبحانه لحبه أخلاق مخلوقاته يحب محمداً - صلى الله عليه وسلم -، إذ هو في ذروة الأخلاق الحميدة، كما اتفق عليها الأولياء والأعداء، ويحب كذلك من يتشبهون به في الأخلاق، كلاً حسب

(1) اللمعات: 95 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٩٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٩٠