تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن أدق أحكام القرآن الجزئية في التشريع الاجتماعي مثلا؛ ما هي إلا عنصر من عناصر نظام الأخلاق، سواء كانت من أحكام المواريث كما رأيت في النص المذكور، أو من أحكام العقود...إلخ. كل ذلك وما في معناه - مما قد لا يبدو للناظر، غير الخبير بطبيعة القرآن؛ أنه ذو بعد أخلاقي - إنما هو تشريع راجع إلى مفهوم (التعبد) في الإسلام. وإنما مفهوم التعبد قائم على معنى (المحبة). وذلك هو جوهر الأخلاق في الدين. (المحبة) هي أساس التشريع الإسلامي. وأي خُلُق صالح في سلوك الإنسان خارج عن معنى المحبة؟ وأي آية لا ينتظمها ذوق المحبة في القرآن؟ فمن أهم الفروق - التي ذكرها النورسي - بين الفلسفة والشريعة؛ أن هدف الفلسفة إنما هو (المنفعة)، بينما الشريعة (هدفها: الفضيلة بدلاً من المنفعة، والفضيلة من شأنها: المودّة والتجاذب)(1).

ومن هنا أبصر بديع الزمان أن كل آي القرآن مشع بنور المحبة؛ فضلا عن الآيات التي يصنفها العلماء على أنها آيات الفضائل، التي سيقت أصالة لذلك، والتي هي ظاهرة في النطق بكل معاني الحب.

قال رحمه الله: (لا تجد في القرآن آية إلا توحي بمحبة شديدة لله.. وفيه حث كبير على الفضيلة - خلا تلك القواعد الخاصة بالسلوك الخلقي - وفيه دعوة كبيرة إلى تبادل العواطف، وحسن المقاصد، والصفح عن الشتائم، وفيه مقت للعجب والغضب، وفيه إشارة إلى أن الذنب قد يكون بالفكر والنظر، وفيه حض على الإيفاء بالعهود حتى مع الكافرين، وتحريض على خفض الجناح والتواضع، وعلى استغفار الناس لمن يسيئون إليهم، لا لعنهم. ويكفي جميع تلك الأقوال الجامعة، المملوءة حكمة ورشداً؛ لإثبات صفاء قواعد الأخلاق في القرآن. إنه أبصر كلّ شئ!)(2).

(1) المكتوبات:607.

(2) إشارات الإعجاز: 272.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٨٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٨٨