تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذلك فإن التغيير الذي أحدثه القرآن في المجتمعات التي دانت له كان عميقا وجذريا. إنه بهذا المعنى الذي قدمه للأخلاق؛ غيَّر البنية الثقافية والوجدانية، لكل الأعراق التي انتسبت إليه، وجعلها منصهرة في نسق واحد، ونظام واحد، هو أخلاق القرآن. إن دمج العرقيات والجنسيات المختلفة والمتناقضة؛ لغة، وتاريخا، وسلالة، وعادات وتقاليد...إلخ، في خفقة وجدان واحد؛ لهو من أغرب المستحيلات قطعا! ولكن ما (المعجزة) إن لم تكن هي صناعة المستحيل؟ وما القرآن إن لم يكن هو كتاب الإعجاز الأول بلا منازع؟

إن كثيرا من الأحكام الدينية، والتشريعات القرآنية، التي دأب بعض الكتاب على تصنيفها خارج مفهوم الأخلاق، جعلها بديع الزمان من صميم الأخلاق، وأصولها. إن القوانين التشريعية الإسلامية كلها؛ إنما أنزلها الشارع الحكيم على أنها سلوك خلقي لا مجرد قانون ملزم؛ شريعةً وعقوبةً. بل إن السر في التزام الناس بالقانون التشريعي الإسلامي إنما يرجع إلى عمقه التخلقي الرفيع. فهذا الجمع والتوفيق بين الأمرين هو الذي سعى به القرآن لبناء الإنسان. إن بديع الزمان لم يكن يرى في نصوص التشريع إلا نظاما أخلاقيا اجتماعيا بديعا. قال رحمه الله في نص عجيب، مكتنز بحكم بالغة: (إن القرآن يجد الحلول لجميع القضايا، ويربط ما بين القانون الديني والقانون الأخلاقي، ويسعى إلى خلق النظام، والوحدة الاجتماعية، وإلى تخفيف البؤس والقسوة والخرافات. إنه يسعى إلى الأخذ بيد المستضعفين، ويوصي بالبر، ويأمر بالرحمة. وفي مادة التشريع وضع قواعد لأدق التفاصيل للتعاون اليومي، ونظم العقود والمواريث، وفي ميدان الأسرة حدد سلوك كل فرد تجاه معاملة الأطفال والأرقاء والحيوانات والصحة والملبس... الخ)(1).

(1) إشارات الإعجاز: 266.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٨٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٨٧