رامه بديع الزمان، في عرض حقائق القرآن، من خلال رسائل النور، وهو يتحدى الغزو الفكري والخلقي الغربي. إن تصور النورسي لهذا المعنى المستنبط من القرآن قائم على دلالة أخرى تماما. إنه دال عنده على كل الحركة الإنسانية في النفس والمجتمع، فلا يبقى بعد ذلك شيء من تصرف الإنسان إلا وهو مشمول بمصطلح (الأخلاق). ومن هنا صح أن يكون القرآن - كل القرآن - إنما جاء لبناء الأخلاق، بهذا المعنى الشمولي الواسع. وذلك هو منطوق حديث عائشة رضي الله عنها لما سئلت عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت قولتها المشهورة: (كان خلقه القرآن)(1) هكذا على سبيل الاستغراق الشامل لكل القرآن. وهو أيضا قول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث المشهور: (إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق)(2) هكذا بهذا الحصر الشامل المستغرق لكل مقاصد البعثة المحمدية. فكان إذن أن القرآن كله - من حيث هو نظام رباني، أنزله الله لتنظيم حياة الإنسان التعبدية والنفسية والاجتماعية - إنما هو نظام للأخلاق. ولذلك بيَّن بديع الزمان النورسي أن أخلاق القرآن قد وسعت - بهذا المعنى - كل ما جاءت به الكتب السماوية السابقة وزيادة. قال رحمه الله: (إن أصول الأخلاق في القرآن عالية علوّ ما جاء في كتب الديانات الأخرى جميعها. وإن أخلاق الأمم التي دانت له تحولت بتحول الأزمان والعروق (...) إن أهم نتيجة يمكن استنباطها هي تأثير القرآن العظيم في الأمم التي أذعنت لأحكامه، فالديانات التي لها ما للإسلام من السلطان على النفوس قليلة جداً، وقد لا تجد دينا اتفق له ما اتفق للإسلام من الأثر الدائم، والقرآن هو قطب الحياة في الشرق وهو ما نرى أثره في أدقّ شؤون الحياة)(3).
(1) رواه مسلم.
(2) رواه ابن سعد والحاكم عن أبي هريرة . وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير : 2349.
(3) إشارات الإعجاز: 285.