وعندما انتقلت النهضة الفلسفية إلى بلاد الغرب ازداد التوغل الأناني في التفكير الأخلاقي لدى فلاسفة أوروبا؛ انطلاقا مما ورثوه عن أفلاطون وأرسطو؛ وما آلت إليه من نرجسية متألهة على يد فلاسفة القرون الوسطى المسيحيين، الذين اصطبغت فلسفتهم بنوازع (الأنا)، وطلب السعادة المطلقة، كما عرفها فلاسفة اليونان الوثنيين. لكنها هنا تلبست بلبوس مسيحي، كما هو الشأن عند توماس الأكويني الفيلسوف المثالي في العصور الوسطى(1)، ثم عند (عمانويل كانط) شيخ الفلسفة في العصر الحديث(2)، ولم تزل الرغبة في تحقيق سعادة (الأنا) هي أساس التفكير الأخلاقي في الفلسفة الغربية؛ حتى تطورت الأخلاق إلى (المذهب النفعي) في صورته المادية(3)؛ بفعل التحولات الاجتماعية العميقة التي شهدتها أروبا؛ استجابة لتطور الأوضاع الصناعية؛ ابتداء من القرن الثامن عشر الميلادي، كما أثبته مؤرخ الفلسفة الغربية الفيلسوف الانجليزي (برتراند رسل)، الذي قال: (لقد اشتق مذهب المنفعة من نظرية أخلاقية ترجع بوجه خاص إلى هتشسون، الذي كان قد عرضها عام: 1725م، وترى النظرية باختصار أن الخير هو اللذة، والشر هو الألم)(4). ولم تزل كذلك؛ حتى آلت إلى النفعية الحديثة، سواء في صورتها الماركسية؛ أو في صورتها الليبيرالية. وهكذا تطورت النظريات الفلسفية الأخلاقية إلى ما انطلقت منه ابتداء، من مثل فلسفة أفلاطون الذي بنى جمهوريته على توظيف الكذب لاستغلال الشعوب. وذلك هو بالضبط جوهر (العولمة) في صورتها الجديدة.
ج – الأخلاق في التعريف النوري:
وأما في اصطلاح بديع الزمان النورسي؛ فالأخلاق هي:
(1) انظر توماس الإكويني، تأليف الشيخ كامل محمد عويضة.
(2) انظر عمانويل كانط، تأليف الشيخ كامل محمد عويضة.
(3) حكمة الغرب: 2/207 وما بعدها. لبرتراند رسل.
(4) حكمة الغرب: 2/213.