فقديما انطلق أفلاطون في نظريته الأخلاقية من مفهوم (الخير الأسمى) أو (الخير بالذات)؛ مما يوحي بالمثالية المطلقة والمجردة عن الأهواء، لكنه لما أراد تطبيق ذلك على (جمهوريته المثالية) أو ما سمي في الترجمات العربية القديمة (بالمدينة الفاضلة)؛ لجأ إلى ما يمكن تسميته (بالكذب الفلسفي). حيث إنه لم يجد حرجا في لجوء الحكام والفلاسفة أحيانا إلى الكذب الصراح؛ لخداع المواطنين من الطبقة الدنيئة بدناءتهم، وقطع كل أمل في تغيير أوضاعهم الاجتماعية، بينما لا يجوز لهؤلاء المواطنين أن يخدعوا الحكام. ويكون ذلك الكذب الضروري بالقول بأن المعدن الذي خلقت منه كل طبقة مختلف عن المعدن الذي خلقت منه الأخرى!(1) وهكذا آل أمر نظرية الأخلاق الأفلاطونية إلى تمجيد (الأنا) الطبقية للحكام والفلاسفة وطبقة المترفين!
وانتقلت هذه (الأنا) الوثنية إلى فلاسفة الإسلام، حيث تجلت بصورة أخرى لدى فيلسوف الأخلاق المسلم ابن مسكويه؛ الذي لم يستطع التحرر من أثر الفلسفة الأخلاقية، لدى فلاسفة اليونان - رغم محاولته التوفيق بين الفلسفة والشريعة، على غرار سائر فلاسفة الإسلام - حيث كان يرى أن غاية الأخلاق هي تحقيق السعادة، وما السعادة إلا نوع من تحقيق الاكتفاء الذاتي على المستوى الوجودي، كما هو عند الملائكة وعند الله(!) وهو ما قال به الفارابي أيضا، حيث اعتبر أن غاية السعادة هي تحصيل الكمال الذاتي(2)، وإنما هذا من خصائص الحضارة اليونانية، التي كانت ترى أن استعمال العقل في التأمل يجعل الإنسان يشارك الآلهة في حياتها!
(1) أفلاطون، سيرته وفلسفته: 142 إعداد أحمد شمس الدين.
(2) تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام للدكتور أبي ريان: 268ـ269.