تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولذا يجد من فرط المحبة لعبادة المعبود؛ أن عمره ممتد في أعمار سائر الموجودات، ما دامت قائمة بوظيفتها الوجودية: عبادة الله، ثم إن الموت في نهاية المطاف بالنسبة إليه انتقال للمؤمن من منزلة (العبدية) إلى منزلة (العبدية) ذاتها، وإن كانت الأولى في عالم الشهادة والثانية في عالم الغيب. أو بعبارة أخرى: الأولى بدار الوظيفة والثانية بدار الضيافة! وإذن فإن الأخوة الوجودية باقية مستمرة مادامت (العبدية) قائمة هنا وهناك بين العالمين، ولدى سائر الموجودات. وإنما ذلك كله إمعان في تحقيق الخضوع المطلق لله الواحد القهار رب العالمين جميعا. وتفريده سبحانه في ملكه بالألوهية السرمدية.

فالعبدية الكونية عند المسلم إذن هي وجوده الحقيقي الذي يعبد الله به، قبل اعتبار وجوده الشخصي الفاني، قال بديع الزمان: (وكذا يتكون بذلك الشعور الإيماني انتساب إلى ذلك الباقي السرمدي، وتتولد وشائج مع ملكه عامة بالإيمان بذلك الانتساب (…) وكذا يتكون بذلك الشعور الإيماني، وبذلك الانتساب والعلاقة، ما يشبه الاتصال والارتباط بجميع الموجودات، وفي هذه الحالة يتولد وجود غير محدود، غير وجوده الشخصي الذي يأتي بالدرجة الثانية.)(1) والوجود غير المحدود هذا – على مستوى الإحساس بأخوة سائر الموجودات، إنما هو وجود معنوي يتدفق جماله بالقلب؛ فيعطي أنسا رحمانيا، يحدو روح العبد المنتسب، في سلوكه إلى ربه.

خلاصة:

وإنما خاتمة الكلام في مثل هذا المقام (فاتحة)، نستفتح بها مدخل بديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله إلى مقام (الانتساب).

وأي مدخل يكون لرجل رباني مثل بديع الزمان غير مدخل الفقر، والعجز، وإظهار الحاجة إلى السيد الكريم؟ كيف لا وقد سبق القول: إن (العبدية) عنده هي جوهر الانتساب؟

(1) الشعاعات : 4 / 70 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٧٥