تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والمؤمن المنتسب إذ يجد في قلبه أن هذه الموجودات جميعا، تشاركه العبودية لله، والانتساب إلى أسمائه الحسنى، والاحتماء بظلال بقائه تعالى، يشعر أنه موصول بها، باق في عبادته لربه ببقائها بعده مستمرة في عبادته تعالى. وهذا معنى في غاية اللطف، قال رحمه الله: (إن وجودي الذي هو ذرة صغيرة جدا – كوجود كل مؤمن – مرآة لوجود غير محدود، ووسيلة للظفر بأنواع من وجود غير محدود بانبساط غير متناه (…) حتى إن لحظة عيش له من حيث انتسابه الإيماني ثمين جدا! ( …) لأن معرفتي بالشعور الإيماني بأن وجودي هذا أثر من آثار واجب الوجود (…) دفعتني لأمد روابط أخوة وثيقة إلى جميع الموجودات (…) وعلمت أن هناك وصالا دائما بهذه الروابط مع جميع ما أحبه من الموجودات من خلال فراق مؤقت. وهكذا فإن وجودي – كوجود كل مؤمن – قد ظفر بالإيمان، والانتساب الذي فيه؛ بأنوار أنواع وجود غير محدودة لا افتراق فيها، فحتى لو ذهب وجودي فإن بقاء تلك الأنواع من الوجود من بعده يطمئن وجودي، وكأنه قد بقي بنفسه كاملا، والخلاصة: أن الموت ليس فراقا، بل هو وصال، وتبديل مكان، وإثمار لثمرة باقية)(1).

إن هذا الاتصال الوجودي المذكور وامتداده بعد الموت، ليس بمعنى ما عند بعض الكفار من (تناسخ الأرواح) كلا! ولكنه معنى رفيع في تدبر توحيد الله الواحد الأحد، من خلال شمول الانتساب إليه لدى سائر الموجودات. فوظيفة (العبدية) لدى المسلم تجعله يحب معبوده كما يحب عبادته، ولهذا يجد لذة في وجود العابدين، من حيث إن المتحقق في النهاية هو ما يحبه: العبادة لله الواحد القهار، من هنا كانت الطمأنينة تسري في وجدان العبد؛ إذ يشعر أن هناك من سيستمر في أداء الوظيفة المحبوبة بعد موته.

(1) اللمعات : 3 / 391 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٧٤