تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من اللطائف الخاصة، والأسرار الرفيعة، والأذواق الجمالية الراقية، التي يمنحها (الانتساب) للعبد المنتسب، في سلوكه إلى ربه، ما يجده من نظرات قلبية عجيبة لمفهوم الزمن، حيث تتأثر المشاعر والأحاسيس بمواجيد الانتساب، فتفيض التجليات على مرآة القلب الصقيلة الصافية بآلاف المعاني، ليس أقلها شأنا (معنى) الزمن، أي ما يجده العبد من لذائذ الحياة المتدفقة بالخلود، من تجليات أسماء الله الحسنى، الدالة على البقاء السرمدي، من مثل أسمائه تعالى: الحي، والقيوم، والباقي، والأول، والآخر، والوارث، جل جلاله.

إن (الاتصال) الذي يعقده الانتساب الإيماني، بين العبد الفاني، وربه الباقي، يوصل إلى قلب المنتسب واردات من نور البقاء، وذلك بانتسابه العبدي، حيث يضاف النسبي إلى المطلق، فيكتسب من تلك الإضافة معنى لطيفا، بل رفيع اللطف، دقيق الخفاء، حيث يعيش اللحظة الدنيوية بنفَس أخروي أبدي، ويمتد بذلك عمره في وجدانه المشاهد لجمال البقاء في الأسماء الحسنى، فإذا الموت بالنسبة إليه جمال آخر، ينتقل فيه من مشاهدة الخلود إلى حياة الخلود، ومن عين اليقين إلى حق اليقين! ألا ما أغنى مقام الانتساب لو كان الناس يتذوقون! قال بديع الزمان: (نعم، بسر الانتساب الإيماني تقوم دقيقة من الوجود مقام ألوف سنة بلا انتساب إيماني، بل تلك الدقيقة أتم، وأوسع بمراتب من تلك الآلاف سنة )(1).

وما ذلك إلا بتحقيق مفهوم العبدية للحي الباقي انتسابا أبديا، إذ (أن لذة البقاء وسعادته موجودة بنفسها، بل أفضل منها، في إيماني وإذعاني، وإيقاني ببقاء الباقي ذي الكمال، وبأنه ربي وإلهي؛ لأنه ببقائه سبحانه يتحقق لي حقيقة باقية لا تموت، إذ يتقرر بشعور إيماني: أن ماهيتي تكون ظلا لاسم باق، لاسم سرمدي، فلا تموت(…).

(1) اللمعات : 3 / 505 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٧٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٧٠