وكذا يتولد بذلك الشعور الإيماني انتساب إلى ذلك الباقي السرمدي، وتتولد وشائج مع ملكه عامة بالإيمان بذلك الانتساب، فينظر المرء بنور الإيمان إلى ملك غير محدود كنظره إلى ملكه، فيستفيد معنى)(1).
إن ذلك المعنى إنما هو (بقاؤه بالله) كما عبّر الأوائل، إن خرق العبد لحجب الزمن الأرضي بتكبيرة الإحرام مثلا، يجعله يتصل بالرحمن مناجيا (وإن أحدكم إذا صلى يناجي ربه)(2) فيعيش لحظة أخرى خارج مدار الزمن، في ضيافة الباقي. هناك فقط تكون (اللحظة) ومضة من ومضات الخلود، ولمعة من لمعات اسمه الباقي، يعيش العبد في ظلالها، ويذوق من فاكهتها ما يملأ قلبه شوقا إلى النعيم السرمدي، وإذ لا يفصل بينه وبين ذاك إلا الموت، يصير الموت ذاته بالنسبة إليه تذكرة لطيفة إلى العالم الباقي. هكذا يعيش العبد المنتسب حياته الدنيا كأنها مقدمة موصولة بحياته الأخرى، فإذا العمر ممتد بلا نهاية، وإذا اللحظة ذات عرض لا تفنى مشاهده أبدا.. ويُكَبْكَبُ الغافلون والضالون في فناء رهيب، بين عد أيام الدنيا الفانية، وترقب شبح الموت القادم بمنجل حصاده، ليلقي بالرؤوس في ظلمات الشك القاتل، وغياهب الشرك الغائصة في المجهول! فإذا المرء يعيش حياته ضنكا، وهو يرى ما برصيده من أيام يتناثر تترى! ويبقى المنتسبون وحدهم في حصن (الباقي) آمنين مطمئنين، يشهدون ويتذوقون لذة البقاء مرتين. قال بديع الزمان: (فإن انتساب الإنسان بالإيمان إلى القدير الذي لا نهاية لقدرته، وإلى السلطان الرحيم ذي الرحمة الواسعة، ودخوله في عبوديته بالطاعة والشكران، يبدل الأجل والموت من الإعدام الأبدي، إلى تذكرة مرور، ورخصة إلى العالم الباقي!)(3).
ب 7 - في الانتساب الإيماني والأخوة الوجودية:
(1) الشعاعات : 4 / 70 .
(2) رواه البخاري .
(3) الكلمات : 1 / 179 .