تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن استدعاء القوة الربانية بالانتساب الإيماني، إنما يتم عند النورسي بتحقيق اليقين في (توحيد الربوبية). ذلك أنك إذ تعتقد وتشعر – كأنك ترى – أن الله رب العالمين قد قهر كل خلقه – وكل الكون خلقه سبحانه – فخضعت له ذرات كل شيء، بل (تشاهد) جلال الربوبية الساري في الكون كله، مشاهدة العبد المنبهر بجلال مولاه وجماله، وتتجول بخشوع، سائحا في ملكوته، مستفتحا الأبواب بأسمائه الحسنى، وترى (القيومية) في اسمه (القيوم) قائمة بذاته تعالى على الكمال والجلال، وترى (كل شيء) من الكون قائما بها انتسابا واستنادا، كما سبق قول النورسي، فلو انقطعت صلة الانتساب هذه لذابت كلها في العدم والفناء؛ لأن وجودها وبقاءها إنما هو مجاز، إذ لم تكتسبه بذاتها، ولكن بالاستناد إلى الرب العظيم رب العالمين، ذي الوجود الحقيقي المطلق؛ فإذن كل قوة لم تستند إليه تعالى هي قوة كاذبة، وهنا يكمن جوهر المسألة.

ذلك أن استدعاء هذا المعنى حتى يتحول لدى العبد من مجرد تصور نظري ذهني، إلى حال ذوقي وجداني، وتفكر قلبي اكتسابي، أي تكتسب به منازل جديدة في مدارج الانتساب الإيماني؛ يكون له أثر على القلب عبر الواردات والتجليات، فإذا بالطاقة (العبدية) تستمد – من خلال عبوديتها – جلال (الإذن)، وجمال السلطان من الملك الرحمن! والخصوص الكامن في (العبدية) أن الرب العظيم قد أسر فيها أسرار (الإضافة) إلى ذاته تعالى، على سبيل الولاء المطلق، فقال عز وجل: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ)(الحجر : 42)؛ لأن سلطان الملك الديان قد أظلهم بظلال الهيبة والمنعة، فلا يصل إليهم عدو من الجن والإنس، مهما كانت قوته، وكيف يصل إليهم وكل قوة ضادت الرب العظيم محكوم عليها بالهزيمة الأبدية؟

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٦٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٦٨