ذلك ما نثره الأستاذ النورسي ذوقا، بعد تفكر وتدبر، إذ قال رحمه الله: (إذا أسندت المخلوقات غير المحدودة والأشياء غير المعدودة إلى الواحد الأحد؛ فكل شيء عندئذ يكون بذلك الارتباط قد نال مظهرا من ذلك الانتساب، ويكون موضعَ تجل من ذلك النور الأزلي، فتمد علاقات ارتباطه بقوانين حكمته، وبدساتير علمه، وبنواميس قدرته جل وعلا، وعندها يرى كل شيء بحول الله وقوته، ويحظى بتجل رباني، يكون بمثابة بصره الناظر إلى كل شيء، ووجهه المتوجه إلى كل شيء، وكلامه النافذ في كل شيء! وإذا انقطع ذلك الانتساب، ينقطع أيضا كل شيء من الأشياء عن ذلك الشيء، وينكمش الشيء بقدر جرمه)(1).
فهذا النص بيان لما يفعله الانتساب في وجدان المؤمن من تخلية وتحلية، ومن تهذيب وتشذيب، وتصفية وتزكية، ترقيه إلى منزلة الصفاء والإخلاص، حيث مرآة التجلي تعكس ما تعكس من أنوار وأسرار – ذلك (أن الإنسان يسمو بنور الإيمان إلى أعلى عليين، فيكتسب بذلك قيمة تجعله لائقا بالجنة (…) لأن الإيمان يربط الإنسان بصانعه الجليل، ويربطه بوثاق شديد، ونسبة إليه. فالإيمان إنما هو انتساب، لذا يكتسب الإنسان بالإيمان قيمة سامية من حيث تجلي الصنعة الإلهية فيه، وظهور آيات نقوش الأسماء الربانية على صفحة وجوده)(2).
إن ظهور الصنعة الإلهية على صفحة الإنسان، وعكس مرآته لجمال أسمائه الحسنى، ونقوشها العليا، لا يكون إلا بعد صفاء المرآة. ولا صفاء إلا بخدمة، وإخلاص، وتفان في السير إلى الله. إن الانتساب معناه (الانخراط) في الخدمة كما قدمنا. أي الدخول في الأعمال، والمراقبة لكل ما يتعلق بذلك ورعايته، لتحقيق العبودية الحقة بـ(الرعاية لحقوق الله) كما عبر الحارث بن أسد المحاسبي رحمه الله(3).
(1) المكتوبات : 2 / 333 .
(2) الكلمات : 1 / 348 .
(3) عنوان كتابه المطبوع بتحقيق عبد القادر أحمد عطا، نشر دار الكتب العلمية بيروت، الطبعة الرابعة : 1405 هـ / 1985 م .