تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن هذا الدوران المتجدد ، المبتدأ، والمؤسس، عبر فلك التعبد؛ هو الذي يكسب العبد وعيه المستمر بجمال ( العبدية )، هذه الصفة الشريفة التي وشحه الرحمن بها مذ أعلن (انتسابه) إليه وحده دون سواه، وتلك لعمري شفافية الجمال، ولكن أكثر الناس لا يعلمون!

وهنا يجتمع التصور والتطبيق في قلب العبد، ويكون انتسابه شعورا وحركة، وذلك هو جماع خُلُقِه، تماما كما إذ سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: (فَإِنَّ خُلُقَ نَبِيِّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ الْقُرْآنَ)(1) أي العبودية الحقة بترجمة القرآن وجمال آيه إلى سلوك وجداني واجتماعي، طاعة لله عز وجل، ملؤها الرضى والمحبة، وذلك هو الوجه التعبدي، أو العبدي لمصطلح الانتساب لدى بديع الزمان. قال رحمه الله: (إن إدراك تلك الرحمة والظفر بها، إنما يكون بالانتساب إلى ذلك (الرحمن) بالإيمان، وبالطاعة له سبحانه، بأداء الفرائض والواجبات)(2).

وإنما المرء (يجد بانتسابه إلى السلطان ذي الجلال؛ بالايمان والعبودية؛ مستندا قويا، ومرتكزا عظيما)(3).

إن "إدراك" ذلك كما عبر بديع الزمان، هو المشكلة الأساس في ابتداء ذوق معنى (الانتساب) لدى الإنسان. فكثير من الناس (يعبدون) الله، لكن شكلا لا (معنى)، وظاهرا لا باطنا، ومجازا لا حقيقة، تماما كما هي أسماء كثير من المسلمين (عبد الله) و(عبد الرحمن)، و(عبد الملك) و(عبد القدوس) ونحوها من الأسماء الحسنى، بيد أن القليل منهم من يدرك حقيقة اسمه ذوقا ووجدانا، بل ربما كانت أحوالهم وأفعالهم مناقضة على التمام لأسمائهم وما تقتضيه .

(1) رواه مسلم .

(2) اللمعات : 3 / 343 .

(3) الكلمات : 1 / 179 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٦٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٦٠