فما أجمل قول بديع الزمان الجامع المانع مخاطبا (عبد الله) بالمعنى المفهومي: (إنك منتسب إلى مالك كريم بعبوديتك وبمملوكيتك)(1). إنه نداء اليقظة، الذي يجعل المرء يدرك حقيقة ماهيته الغائبة بسبب الغفلة والظلمة الغاشية، إدراكا يبسط مواجيده بعد قبض، وإنما هو (نور الإيمان الذي بسط ذلك الانتساب والعبدية)(2). (فالعبدية) إذن شعور وجداني يجده العبد بمجرد اكتساب (وعيه) بانتسابه. وهو المقصود بقوله السابق معللا: (وذلك بسموه إلى مرتبة خطاب (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) أي انتسابه لمالك يوم الدين)(3). ذلك بعض ما يستفاد من حكمة التشريع الرباني، في فرض قراءة سورة الفاتحة في الصلاة، ركنا لا تنجبر الصلاة إلا به، تكرارا لا يقل عن سبع عشرة مرة في اليوم! والمدار الدائم إنما هو (إِيَّاكَ نَعْبُدُ). ولعل ذلك ما تفطن إليه الإمام ابن القيم رحمه الله عند توشيح كتابه العظيم باسم: (مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين)(4).
فتكرار (إِيَّاكَ نَعْبُدُ) – الذي لا تكرار فيه على الحقيقة، وإنما هو تأسيس وابتداء عند كل ذكر وتلاوة – هو طرق متوال على قلب العبد الغافل أن أفق! وع ما أنت عليه من عبودية لله! أو طرق متوال أيضا على قلب العبد الذاكر أن حذار من العودة إلى النوم والغفلة! فتخسر لذة التجدد في كؤوس التعبد، المقدمة هدية من الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، إلى عبده، كلما ذكر أو تلا: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
(1) الشعاعات : 4 / 75 .
(2) الشعاعات: 4 / 13 .
(3) الكلمات : 1 / 45 .
(4) طبع في ثلاثة أجزاء بتحقيق محمد حامد الفقي توزيع دار الرشاد الحديثة المغرب.