تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذا التصور – كما قلت – هو الفراش الذي يمهد به العبد لإخلاص التوحيد، وإسناد كل شيء لله وحده دون سواه، ثم يكون هو بعد ذلك عبدا (منتسبا) أي مستندا في كل أمره إلى الواحد الأحد، وذلك هو قول بديع الزمان: (إذا ما انقطع الانتساب إلى الله سبحانه وتعالى، ينبغي قبول وجود آلهة بعدد ذرات التراب! وهذه خرافة مستحيلة في ألف محال ومحال، بينما الأمر يكون مستساغا عقلا، وسهلا ومقبولا؛ عندما تصبح كل ذرة مأمورة، إذ كما أن جنديا اعتياديا لدى سلطان عظيم يستطيع – باسم السلطان، واستنادا إلى قوته – أن يقوم بتهجير مدينة عامرة من أهلها (…) كذلك تستطيع بعوضة صغيرة أن تطرح نمرودا على الأرض (…) وتستطيع بذرة تين صغيرة جدا أن تحمل شجرة التين الضخمة على ظهرها، كل ذلك باسم سلطان الأزل والأبد، وبفضل ذلك الانتساب)(1).

إنه ضرب من تحرير التصور – أولا – من الشرك والخرافة والتناقضات المستحيلة؛ لأنه بغير ذلك لا يستقيم انتساب إيماني لعبد، ثم إنه ضرب أيضا من التفسير العقدي التوحيدي (لفاعلية) الانتساب الإيماني لدى الإنسان، وكيف يتم التحول من الضعف إلى القوة، ومن الاستمداد الجزئي إلى الاستمداد الكلي، رغم ضآلة الجرم المنتسِب وحقارته. ذلك جوهر (التوحيد) عند بديع الزمان كما بيناه(2) وإنما (الانتساب الإيماني) وجه من وجوهه، وصورة من مرآته.

ب3 - في الانتساب الإيماني و(العبدية):

(1) الكلمات : 1 / 332 – 333 .

(2) بحثنا في مصطلح التوحيد المشار إليه قبل .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٥٧