تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ذلك هو توحيد الواحد الذي يمنح العبد الموحد قوة بسبب انتسابه إلى الواحد الأحد، ولذلك كان الشرك بهذا المعنى – من حيث المناقضة- دالا على التفرقة، وكل معاني الضعف والتجزيء، ذلك (أن في الوحدة يقوم الانتساب مقام قدرة غير محدودة، ولا يضطر السبب لحمل منابع قوته، ويتعاظم الأثر بالنسبة إلى المسند إليه، وفي الشركة يضطر كل سبب لحمل منابع قوته، فيتصاغر الأثر بنسبة جرمه)(1).

إن (الانتساب الإيماني) بهذا المعنى يقوم أساسا من حيث المنطلق على مفهوم (التوحيد) لدى بديع الزمان. فكل منتسب موحد بالضرورة، وكل من لا انتساب إيماني له؛ مشرك تصورا أو وجدانا أو هما معا.

وهذا واضح في تدبر الاعتبار التصوري، الذي بنى عليه النورسي مفهوم الانتساب، إذ كان الكون كله من حيث هو مخلوقات شتى، جلائلها ودقائقها باطلاق، قائما بقيومية (القيوم) سبحانه، فهو إذن انتساب كوني، ينطلق منه العبد على مستوى التصور لتحرير التوحيد في قلبه، وتخليصه من كل الشوائب الشركية؛ حتى يتسنى له إخلاص الانتساب الإيماني لله الواحد القهار على مستوى الوجدان، قال رحمه الله: (إن خالق هذا الكون – ذا الجلال – (قيوم) أي: أنه قائم بذاته، دائم بذاته، باق بذاته. وجميع الأشياء والموجودات قائمة به، تدوم به، وتبقى في الوجود به، وتجد البقاء به، فلو انقطع هذا الانتساب للقيومية من الكون بأقل من طرفة عين يمحى الكون كله!)(2).

(1) المثنوي العربي : 6 / 143.

(2) اللمعات : 3 / 575 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٥٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٥٦