وأما كون الانخراط الوجداني في سلك العبودية إنما يكون (إيمانا وعملا): فهو للدلالة على أن الأذواق والمواجيد التعبدية، التي يكتسبها العبد بانتسابه، إنما يكتسبها من اجتماع الأمرين معا: الإيمان والعمل، فيجني من الأول مواجيد التفكر، ويجني من الثاني مواجيد الخدمة، فيتم له بذلك جمال الانتساب صدقا لا كذبا، ويكون حينئذ أهلا لورود التجليات.
وأما كون ذلك كله واقعا (بما يحقق للإنسان معنى الإضافة إلى الله في صفة "عبد الله")؛ فلأن غاية الانتساب وجوهره إنما هو الشعور بأنك منتسب لله على سبيل العبدية، من حيث هو تعالى الخالق، والمالك، والرب المتصرف في الذوات وفي المنافع، بما شاء وكما شاء؛ فلا حول ولا قوة للعبد إلا بالله، وكفى بذلك عزةً. ومن هنا كان (الانتساب) قوة ورفعة لصاحبه.
هذا في مفهوم (الانتساب الإيماني) على الإجمال، وأما على التفصيل فنعرضه كما يلي:
ب2: في الانتساب الإيماني والتوحيد:
يرجع مفهوم (الانتساب) عند بديع الزمان - من حيث التصور - إلى معنى (التوحيد)، كما فصلناه في معناه الرئيس عنده(1). وذلك من خلال مفهوم اصطلاحي يستعمل عنده مقرونا بمصطلح (الانتساب)، ألا وهو (الاستناد)، على جهة الترادف، لكن للدلالة أساسا على معنى الارتكاز على (الواحد الأحد)، وتوحيده بالانتساب إليه سبحانه، واستدرار ثمار التوحيد والوحدانية، من معاني التأييد والتسديد والنصرة، قال رحمه الله: (إن قوة الاستناد والانتساب التي في الفردية والوحدانية تجعل النملة الصغيرة تقدم على إهلاك فرعون عنيد (…) باسم ذلك الانتساب، وبسر ذلك الاستناد)(2).
(1) انظر بحثنا في ذلك ( مفهوم التوحيد عند بديع الزمان النورسي ) .
(2) اللمعات : 3 / 545 .