ومن هنا كان الإيمان المبلغ إلى مقام الانتساب، انخراطا وظيفيا كما قلنا، حيث عمل النورسي على تحسيس طلابه بالذوق الانتمائي للإسلام، وتجديد مفهوم الصفة الإسلامية التي أبلتها العادات الاجتماعية، وطمستها الظلمات الضلالة الزاحفة، فكان الأستاذ لذلك يثير مكامن الوجدان في النفوس بتجديد المفاهيم، وسك المصطلحات، ومن هنا كان لزاما أن نقيد عبارة الانخراط في التعريف بصفة (الوجداني)؛ للدلالة على مقصود النورسي من تجليات الإيمان، وما يجده المؤمن فيها من أذواق ومواجيد، هي حقيقة مقام (الانتساب). فالمسألة إذن ليست مجرد انخراط شكلي بحمل الشارات والعلامات، من أسماء إسلامية وتعابير دينية، ولكنها أعمق من ذلك بكثير، إنها شعور ومواجيد وأذواق، يجدها العبد من صدق توجهه، وأصالة انتسابه، مما يرقيه إلى ما يسميه المربون الأوائل (بمقام الأنس) حيث تنساب غدران الطمأنينة والسكينة على مشاعر العبد في سلوكه إلى الله. قال رحمه الله مخاطبا نفسه: (فما دمت قد ظفرت بنقطة استناد مثل هذه، بهوية الانتساب الإيماني؛ فيمكنك الاستناد والاطمئنان إذا إلى قوة عظيمة، وقدرة مطلقة. وحقا لقد كنت أحس بقوة معنوية عظيمة كلما كنت أتلقى ذلك الدرس من تلك الآية الكريمة: (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)(1). ويقول في موطن آخر لكن في السياق ذاته: (ما أن جاءت (حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) حتى رفعَت الستار، فأحسستُ، وشاهدتُ، وتذوقتُ بحق اليقين أن لذة البقاء وسعادته موجودة بنفسها، (…) في إيماني وإذعاني، وإيقاني ببقاء الباقي ذي الكمال، وبأنه ربي وإلهي)(2).
(1) اللمعات : 3 / 389 .
(2) الشعاعات : 4 / 70 .