تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهنا تكمن خطورة المصطلح: (الانتساب)؛ لأنه تصوير لعلاقة المطلق بالنسبي وما يكتسبه هذا من ذاك! فعلاوة على دقة العلاقة بين مفهومين لا يجمعهما في المنطق إلا معنى التضاد؛ بينما هما هنا يلتقيان في المعنى الإسلامي؛ في التناسب الجميل المستفاد من علاقة العبادة، وما تحمله من ظلال روحية هادئة. قلت: علاوة على ذلك كله فإن المصطلح المدروس يصور بأدق ما يكون التصوير الرقي الإنساني، في مدارج الإيمان، حتى يكون أهلا لمقام العطف الرباني والتضييف الرحماني.

ومن خلال ذلك كله يقدم الأستاذ النورسي معنى الإيمان بحس إصلاحي تجديدي، يغري المسلم بتصحيح إسلامه، وتجديد الصلة بربه على أساس مفهوم (الانتساب) الذي كان له أعظم الأثر في تشكيل (مدرسة النور) في الفكر الإسلامي المعاصر.

وإني لأحسب أن تجديد التدين في المجتمع الإسلامي، لو أنه سعى هذا المسعى القائم على تحقيق معنى (العبودية)، حيث كانت الإضافة فيها إلى الرحمن نقطة استناد؛ لكان له اليوم شأن آخر، إذ يمنح العبد معنى القوة والمنعة والحياة،كما في قوله تعالى: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً) (الإسراء : 65 ). فياء الضمير: (المضاف إليه) الدال على الذات الإلهية، يخص المضاف (عباد) بخصوص (الانتساب) الذي يكتسب منه (العبد) شرف النسبة إلى الملك العظيم رب السموات والأرض. فذلك ما عبر عنه الأستاذ النورسي (بالانتساب) حينا و(الانتساب الإيماني) حينا آخر، كما في قوله رحمه الله: (إن نور الإيمان الذي بسط ذلك (الانتساب) والعبدية هو الذي يجعل النمل يغلب فرعونا بقوة ذلك (الانتساب)(1) وقوله: (إنك تنتسب بهوية (الانتساب الإيماني) إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة)(2).

وهنا ينفتح باب آخر لتدفق التجليات والواردات، مما لا يدرك له كنهه إلا أن يذاق!

(1) الشعاعات : 4 / 13 .

(2) اللمعات : 3/ 388 .

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٥١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٥١