ومعلوم أن (رسائل النور) إنما هي إثبات لأصول الإيمان، ومبادئه الكبرى، من خلال تفسيرها الجديد للقرآن، وكشفها لإعجازه.
ومن هنا لم تكن فروع السياسية، والخلافات الاجتماعية من (حقائق القرآن). قال بديع الزمان: (فالدرس القرآني الذي يلقى من موضع طاهر، زكي، مبرأٍ من موحيات أفكار التيارات السياسية، والانحيازات المغرضة جميعها (...) لا ينبغي أن تحجم عنه جهة. (...) وحمدا لله فإنني بسبب تجردي عن التيارات السياسية؛ لم أبخس قيمة حقائق القرآن، التي هي أثمن من الألماس، ولم أجعلها بتفاهة قطع زجاجية بتهمة الدعاية السياسية. بل تزيد قيمة تلك الجواهر القرآنية على مر الأيام)(1).
6 - حكمة القرآن:
وحكمة القرآن: هي كشف غطاء الألفة عن مشاهدة التجليات الكبرى لاسم الله (الحكيم) جل جلاله في الأشياء، من تدبير وتربية ورعاية.
أو بعبارة أخرى: إنها الاعتبار بتدبر القرآن، لما يعرضه من مغزى الخلق للكون، دقائقه وجلائله. وإسناد كل ذلك إلى الأحد الصمد، للخروج من الكثرة إلى الوحدة. ولذا كانت (حكمة القرآن) - بهذا المعنى - جزء من مفهوم (إعجاز القرآن) بما سبق بيانه.
ومن هنا فارقت (حكمة القرآن) (حكمة الفلسفة) من حيث إن هذه الأخيرة تدخل في الكثرة ولا تخرج منها. أي أنها لا تسند الخلق للخالق، ولا تبرز (الأحدية) في الأشياء. قال بديع الزمان: (إذا أردت أن تعقد موازنة ومقارنة بين حكمة القرآن الحكيم والعلوم الفلسفية (...) فأمعن النظر وتأمل فيما يأتي:
إن القرآن الكريم، ببياناته القوية النافذة، إنما يمزق غطاء الألفة، وستار العادة الملقى على موجودات الكون قاطبة، والتي لا تذكر إلا أنها عادية مألوفة، مع أنها خوارق قدرةٍ بديعة، ومعجزاتها العظيمة. فيكشف القرآن بتمزيقه ذلك الغطاء حقائق عجيبة لذوي الشعور، ويلفت أنظارهم إلى ما فيها من دروس بليغة للاعتبار والعظة، فاتحا كنزا لا يفنى للعلوم أمام العقول.
(1) المكتوبات:2/61.