والخلاصة أن (نون) (نَعْبُدُ) تشير إلى هذه الجماعات الثلاث وتدل عليها.
وبينما أنا في هذه الحالة؛ إذا بالشخصية المعنوية المباركة لمبلغ القرآن الكريم قد تمثلت أمامي بعظمته ووقاره، وهو - صلى الله عليه وسلم - على منبره المعنوي (المدينة المنورة)، وأسمع منه - كما سمع غيري - خطابا إلهيا موجها: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ( (البقرة:21) فرأيت - خيالا - أن كل من في تلك الجماعات الثلاث يتجاوب مثلي مع ذلك الخطاب الرباني العظيم قائلا: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )!
وهناك تمثلت حقيقة أخرى أمام الفكر، حسب قاعدة: (إذا ثبت الشيء ثبت بلوازمه) وهي:
ما دام رب العالمين قد اتخذ الإنسان مخاطبا له، فيتكلم مع جميع الموجودات، وأن هذا الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - قد قام بتبليغ ذلك الخطاب الرباني الجليل إلى جميع البشر، بل إلى جميع ذوي الشعور، وإلى جميع ذوي الأرواح؛ فلا بد أن الماضي والمستقبل معا قد أصبحا بحكم الزمن الحاضر! وغدت البشرية كافة مجلسا واحدا، وجماعة واحدة، في صفوف مختلفة متنوعة، حيث الخطاب متوجه إليهم جميعا.
هناك بدا لي أن كل آية من آيات القرآن الكريم؛ في قمة البلاغة، ومنتهى الجزالة، وفي غاية الإعجاز الذي يشع نوره الساطع. حيث إن الآية تكسب علوها وسموها وقوتها؛ لصدورها من ذلك المقام السامي الرفيع، الذي لا نهاية لعظمته، ولا غاية لسعته، ولا منتهى لسموه! من ذي الجلال والعظمة المطلقة، من المتكلم الأزلي جل جلاله)(1).
لقد كان (إعجاز القرآن) لدى بديع الزمان؛ منطلقا من تذوقه المنبهر بدلالة الكلمات الربانية على البعد الكوني، والمشهد الوجودي؛ ولذلك ارتقى مفهوم (البلاغة) عنده من مجرد (مطابقة الكلام لمقتضى الحال) أو (مراعاة المقام) - كما هو عند البلاغيين، الذين سبق نقده لهم بشدة كما رأينا - إلى مراعاة أركان الكلام كله! بدءا بالمتكلم وانتهاء بالمتلقي!
(1) المكتوبات:2/506-508.