تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال رحمه الله في سياق الجزم باستحالة ترجمة القرآن الكريم: (إن كلمات القرآن التي جاءت بتلك اللغة العربية الفصحى الجامعة الخارقة، وفي صورة معجزة، وصادرة من علم محيط بكل شيء، يدير الجهات كلها؛ كيف توفي حقها كلمات ألسنة أخرى تركيبية وتصريفية، في ترجمة من هو جزئي الذهن، قاصر الشعور، مشوش الفكر، مظلم القلب؟ أم كيف تملأ كلمات ترجمةٍ محل تلك الكلمات المقدسة؟ حتى أستطيع القول، وأثبت أيضا: أن كل حرف من حروف القرآن الكريم بمثابة خزينة من خزائن الحقائق، بل قد يحوي حرف واحد فقط من الحقائق ما يملأ صحيفة كاملة(...)!

تأملت ذات يوم في (ن) المتكلم مع الغير في: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) وتحرى قلبي، وبحث عن سبب انتقال صيغة المتكلم الواحد؛ إلى صيغة الجمع (نَعْبُدُ)؛ فبرزت فجأة فضيلة صلاة الجماعة وحكمتها من تلك النون (...) وهنا انكشفت حالة أخرى، إذ رأيت:

أن الجماعة لتي انضممت إليها قد أصبحت ثلاث جماعات ودوائر:

الأولى: هي الجماعة الكبرى المؤلفة من المؤمنين الموحدين، على وجه الأرض قاطبة.

الثانية: هي جماعة الموجودات كافة حيث ( كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ) (النور:41) فرأيت نفسي مع صلاتها الكبرى، وفي تسبيحاتها العظمى، وأن ما يسمى وظائف الأشياء وأعمالها؛ إن هو إلا عناوين عباداتها وعبوديتها! (...)

الثالثة: ورأيت عالما يبدأ من ذرات وجودي، وينتهي إلى حواسي الظاهرة؛ فهو عالم صغير وصغير، إلا أنه عظيم جدا يدعو إلى الحيرة والإعجاب. وهو عالم ظاهره متناه في الصغر إلا أن حقيقته عظيمة، ووظائفه جليلة، نعم رأيت أن كل جماعة من جماعات هذا العالم منهمكة بوظائف عبوديتها وواجبات شكرها. ورأيت أن اللطيفة الربانية التي هي في تلك الدائرة في قلبي تردد: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) باسم هذه الجماعة. مثلما رددها لساني بنية الجماعتين العظيمتين الأوليين!

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٣٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٣٦