فأما الأول: وهو الجانب الكوني؛ فمفهوم (الإعجاز) فيه راجع إلى أن القرآن الكريم قام على مبدأ (تمزيق غطاء الإلفة) أو كشف (ستار العادة) عن الأشياء؛ لتظهر حقائقها الغريبة، وأسرارها العجيبة، مما لا ينتبه إليه الإنسان بفعل الإلف الحياتي، وموت حاسة التفكر والتدبر لديه. وهذه حقيقة نفسية عجيبة، انتبه إليها بديع الزمان، وعمل على تحطيم حواجزها. ذلك أن الشيء قد يكون غريبا حقا، لكنه بسبب تكرار المشاهدة غير المتدبرة، يفقد غرابته في النفوس، فلا ينتبه بعد ذلك إليه أحد! ففي زماننا هذا مثلا نجد المرء الذي يركب الطائرة لأول مرة في حياته يشعر بنوع من الرهبة، ليس بدافع الخوف من السقوط فقط، ولكن أيضا بسبب الغرابة الناتجة عن طيران هذا الحجم من الحديد في السماء، وعلوه طبقات الفضاء، سابحا فوق السحاب بعدة أميال! لكنه بمجرد ما يركب الطائرة المرة الثانية، والثالثة...إلخ. يتعود على المشهد؛ فلا يثير في نفسه أي استغراب بعد ذلك. وهو أمر نفسي سارٍ على جميع الأشياء؛ بدءا بخلق الإنسان في بطن أمه، وولادته، ورضاعه، ونموه، حتى هرمه وموته؛ إلى أعظم مخلوق في هذا الكون من مجرات وسماوات! كل ذلك في الحقيقة غريب عجيب، لا تكاد أسراره تنتهي أبدا! مهما طال التفكر وتعمق التدبر.
إن القرآن العظيم - وهو كلام الله الخالق لهذه العوالم جميعا، دقيقها وعظيمها - قد قام إعجازه على لفت الانتباه؛ إلى عجائب صنع الله وخلقه، فيما تعودناه، وما لم نتعوده. إنه يمزق حجاب العادة في النظر، ويكشف غطاء الإلفة في الفكر؛ حتى إذا نظر الإنسان إلى الأشياء بعد هذا (الكشف)؛ حصل له من الانبهار؛ ما يثبت لديه عظمة الخالق سبحانه. وبذلك يتحقق (إعجاز القرآن)!