يقول الأستاذ سعيد النورسي: (إن القرآن الكريم ببياناته القوية النافذة، إنما يمزق غطاء الألفة وستار العادة، الملقى على موجودات الكون قاطبة، والتي لا تذكر إلا أنها عادية مألوفة! مع أنها خوارق قدرة بديعة، ومعجزاتها العظيمة. فيكشف القرآن بتمزيقه ذلك الغطاء حقائق عجيبة لذوي الشعور، ويلفت أنظارهم إلى ما فيها من دروس بليغة للاعتبار والعظة، فاتحا كنزا لا يفنى للعلوم أمام العقول!)(1)
ويضرب بديع الزمان لذلك مثالا عجيبا، بحيث يفرض أن المتلقي للقرآن في هذا الزمان، كان يعيش في العصر العربي الأول الذي نزل فيه القرآن، أعني عصر البعثة؛ مستحضرا لظروف الزمان والمكان؛ فينظر حينئذ إلى شساعة النقلة الوجدانية والتصورية، التي أحدثها القرآن في النفوس العربية، التي كانت أنظارها محدودة بما تصل إليه حواسها من مدركات مادية، دون تفكر أو تدبر، فجاء القرآن ليرفع من رتبة النظر؛ لدى أولئك البدو الرحل إلى مستوى كوني فسيح، لا يزال إلى اليوم مجالا مطلقا للسياحة العلمية المعاصرة. ولم تزل هذه تتعثر في تفسيره وإدراكه، رغم ما حصلت عليه من تقدم هائل، بالنسبة إلى مدارك ذلك الزمان. أما بالنسبة إلى الكون نفسه؛ فمدارك الإنسان لا تزال أضعف ما تكون! وأصغر من أن تحيط الإحاطة التامة، ولا بأسرار خلية الخلق الدقيقة، في الحيوان المنوي، لدى الإنسان، أو الحيوان!
فارجع إذن إلى عالم البداوة، وأنصت إلى هذا القرآن وهو يربي الإنسان العربي، القريب عهد بجاهليته، يربيه بما يشبه المستحيل! ليرتفع بتصوره للكون، وعالم الخلق؛ إلى أحدث ما وصل إليه الإنسان المعاصر وزيادة! على مستوى الإدراك العام، لا تفاصيل الجزئيات. والمعجزة الحقيقية أن الإنسان العربي ذاك؛ قد استجاب لهذه التربية، وارتقى فعلا، رغم محدودية مداركه واستعداده! فكان إنسانا كونيا! بسبب القرآن. وبذلك حقا تم (إعجاز القرآن) بهذا المعنى لدى بديع الزمان.
(1) الكلمات:1/150.