تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبمقتضى هذا التعريف المستفاد من كلام النورسي؛ يخرج عن معنى (أسرار القرآن) كل الفهوم (الباطنية)، والتأويلات المغرضة، التي لا يقبلها منطق اللغة، والتي ناقضت ما فهمه السلف - من الصحابة رضي الله عنهم - من مقتضى دلالاته اللغوية. فـ(أسرار القرآن) إنما هي معان لطيفة تشير إليها نصوصه اللغوية، أو على الأقل لا ترفضها. قد تخفى في البداية على كثير من الناس، لكنها قد تظهر عند التدبر والتأمل، أو بسبب اكتشاف علمي في مجال الطبيعة والحياة؛ مما يرجح وجود ذلك المعنى من الآية، لكنه لا يكون نقضا لفهوم السلف، ولا هو غير مقبول في المقتضى اللغوي للنص القرآني. ومن هنا كان لكل عصر حظه من (أسرار القرآن) على حسب تدبر رجاله واجتهادهم.

قال بديع الزمان عن مقولة إنه (لا تعرف أسرار القرآن معرفة كاملة، ولم يدرك المفسرون حقيقته؟) هذا المفهوم له وجهان. والقائلون به طائفتان:

الطائفة الأولى: هم أهل الحق والعلم والتدقيق. فهم يقولون: إن القرآن الكريم كنز عظيم لا ينفد، وإن كل عصر يأخذ حظه من حقائقه الخفية التي هي من قبيل التتمات، مع التسليم بنصوص القرآن ومحكماته من دون أن يتعرض أو يمس ما خفي من الحقائق من حظ أهل العصور الأخرى. وحقا إن حقائق القرآن تتوضح أكثر كلما مضى الزمان، ولا يعني هذا أبدا إلقاء ظل الشبهة على ما بينه السلف الصالح من حقائق القرآن الظاهرة، لأنها نصوص قاطعة، وأسس وأركان لا بد من الإيمان بها. وقوله تعالى: (وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ)(النحل:103) يوضح أن معنى القرآن واضح مبين. فالخطاب الإلهي من أوله إلى آخره يدور حول تلك المعاني ويقويها حتى يجعلها بدرجة البداهة. لذا فإن رفض تلك المعاني المنصوص عليها يؤدي إلى تكذيب الله سبحانه وتعالى (حاش لله)، وإلى تزييف فهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - (حاشاه) (...).

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٣٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٣٠