تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وهذا التفات عظيم إلى أدق المعاني الإشارية للقرآن الكريم، إذ بين النورسي رحمه الله، أن الله تعالى قرن بين الدلائل العظيمة، ذات الامتداد البعيد عن الإدارك البشري الشامل: السماوات والأرض، والدلائل الدقيقة، الداخلة في صميم الاجتماع البشري: كالتعدد اللغوي والجنسي. لأن الذي خلق ذلك الامتداد؛ هو نفسه الذي خلق هذه الذرات الدقيقة من جسم الإنسان وجلده. هذا الإنسان الذي ليس إلا فهرسا لذلك الامتداد! كما بيناه قبل من قول بديع الزمان. فيظهر بذلك خاتم التوحيد على كل شيء، ويجد المؤمن طريقا إلى الله من كل شيء.

إنه مفهوم يدل حقا على أن القرآن الكريم قد جمع الكثرة الكونية، فصاغها في طابع واحد، هو خاتم الخالقية العظمى، الذي يفتح الباب لقلب المؤمن؛ من أجل مشاهدة جمال الله وجلاله، وبذلك يتحقق هدف القرآن الأسمى: توظيف كل شيء في توحيد الله، الواحد الأحد، الفرد الصمد. فمن خلال القرآن تجد كل شيء - ككل شيء - يدل على من ( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)(الشورى:11) فإذن؛ كل الطرق المشاهدة بمنظار القرآن تؤدي إلى الله. وبهذا كان القرآن أضمن سبيل، وأسلم طريق. قال رحمه الله: (القرآن الكريم يعفي الكائنات بكل وضوح عن الإعدام، ويطلق سراحها من السجن. فهذا الطريق على نهج القرآن ينظر إلى الكائنات أنها مسخرة لفاطرها الجليل، وخادمة في سبيله. وأنها مظاهر لتجليات الأسماء الحسنى. كأنها مرايا تعكس تلك التجليات، أي أنه يستخدمها بالمعنى الحرفي، ويعزلها عن المعنى الاسمي، من أن تكون خادمة ومسخرة بنفسها. وعندها ينجو المرء من الغفلة، ويبلغ الحضور الدائمي على نهج القرآن الكريم، فيجد إلى الحق سبحانه طريقا من كل شيء)(1).

- ثانيا: قيمته الاصطلاحية:

(1) المكتوبات:2/597.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٢٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٢٨