أما (الأحدية) : فهي مشاهدة ذلك في خلقه. أي دلالة الخلق عليه سبحانه، من خلال ما سماه من قبلُ (بخاتم التوحيد)، أو (سكة التوحيد)، أو (طغرائه). فإذا كانت (الواحدية) تُدْرَك بالاعتقاد، فإن (الأحدية) لا تدرك إلا بالمشاهدة)(1). وهذا بالذات معنى كون (القرآن يعرض الكثرة من عين الوحدة) على المستوى الكوني.
وللنورسي كلام جميل جدا في التمثيل لذلك في الواقع المشاهد. قال: (إن تجلي الواحدية في مخلوقات لا حد لها، لا يحيط به كل من يقول: ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ ) حيث يتشتت الفكر ويتيه في تلك الكثرة، إذ يلزم لملاحظة ذات الله الأحد من خلال مجموع المخلوقات لدى خطاب ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) وجود قلب واسع يسع الأرض كلها! فبناء على هذا السر الدقيق؛ فإن الله سبحانه يبين بجلاء طابع الأحدية في كل جزء، مثلما يظهره في كل نوع؛ وذلك لتشد الأنظار إلى ذات الله الأحد، وليتمكن كل شخص - مهما بلغت مرتبته - من التوجه المباشر في خطابه ( إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ) إلى ذات الله الأقدس سبحانه، من دون تكلف أو صعوبة.
فتبيانا لهذا السر العظيم؛ فإن القرآن الكريم عندما يبحث في آيات الله في أجواء الآفاق، وفي أوسع الدوائر، إذا به يذكر أصغر دائرة من دوائر المخلوقات، وأدق جزئية من جزئياتها؛ إظهارا لطابع الأحدية بوضوح في كل شيء. مثال ذلك: عندما يبين القرآن الكريم آيات خلق السماوات والأرض؛ يعقبها بآيات خلق الإنسان، وبيان دقائق النعمة، في صوته، وبدائع الحكمة في ملامحه، كي لا يتشتت الفكر في آفاق شاسعة، ولا يغرق القلب في كثرة غير متناهية، ولتبلغ الروح معبودها الحق دون وساطة. فالآية الكريمة الآتية تبين الحقيقة السابقة بيانا معجزا: " وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ "(الروم:22))(2).
(1) انظر مصطلح (التوحيد): مشتقاته.
(2) اللمعات:3/151ـ152.