تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن عرض الكثرة من خلال الوحدة بعد ذلك؛ لا يتجلى في كون القرآن - وهو كتاب واحد - يتضمن عدة كتب ورسائل فحسب؛ كلا بل يتعداه إلى عرض الكثرة الكونية من خلال الوحدة الخَلْقية، كما أشرنا قبل. ومن هنا كان مفهوم القرآن واحدا وهو كثير! أو كان كثيرا وهو واحد! وبيان ذلك أن الناظر في الكثرة التي تطبع الكون والتنوع الذي يميز عناصره المختلفة، قد يتيه في تتبع ذلك، وقد يضل عن تبين الحقيقة، إذ يغرق في الكثرة ولا يجد منها سبيلا إلى الحقيقة الواحدة غير المتعددة. فربما أشرك وألّه الأشياء، وربما جحد وألحد في آيات الله. بينما المؤمن إذ يقرأ القرآن إنما يقرأ بذلك آيات الله في الكون، فأحرف القرآن الصغيرة قراءة لأحرف الكون الكبيرة، كما سبق قول بديع الزمان. والقرآن هادي العباد إلى (نقطة الاستناد) الوحيدة في هذا العالم. ألا وهي تفرد الخالق جل جلاله بطغراء واحدة، مسكوكة على سائر مخلوقاته، لا يدركها حق الإدارك إلا من سلك طريق القرآن، الذي يعرض هذه الكثرة من خلال هذه الطغراء الواحدة.

يقول بديع الزمان: (إن القرآن الكريم يفوض أمر المخلوقات غير المحدودة إلى الصانع الواحد، ويسند إليه كل شيء مباشرة، فيسلك طريقا سهلا بدرجة الوجوب، ويدعو إليها، وكذلك يفعل المؤمنون)(1). وذلك يكون بالجمع بين مفهومين عظيمين من مفاهيم التوحيد لدى النورسي، ألا وهما: (الواحدية) و(الأحدية).

إن القرآن الكريم إذ يجمع بين مفهومي (الواحدية) و(الأحدية) يقود الإنسان من خلال الكثرة إلى الوحدة، وإلى مشاهدة الخالق جل وعلا في جمال صنعه، وكمال إبداعه. وقد بينا في دراسة مصطلح (التوحيد) لدى النورسي؛ أن الفرق بين الواحدية والأحدية راجع إلى كون (الواحدية: هي صفة الله تعالى في وحدانيته، وتفرده في ذاته، بغض النظر عن شهادة خلقه له. وهذا المعنى راجع إلى التصور الذهني للتوحيد.

(1) المكتوبات:2/334.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٢٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٢٦