وقد سبق قول النورسي في تعريفه المذكور للقرآن: (كما أنه كتاب واحد، لكن فيه كتب كثيرة، في مقابلة جميع حاجات الإنسان المعنوية. كذلك هو كمنزل مقدس مشحون بالكتب والرسائل؛ حتى إنه أبرز لمشرب كل واحد من أهل المشارب المختلفة، ولمسلك كل واحد من أهل المسالك المتباينة، من الأولياء والصديقين، ومن العرفاء والمحققين؛ رسالةً لائقةً لمذاق ذلك المشرب وتنويره، ولمساق ذلك المسلك وتصويره، حتى كأنه مجموعة الرسائل).
وهو دال بذلك على أن القرآن الكريم قد يحتوي على كل فضائل الكتب السماوية السابقة ويزيد عليها. فهو جامع لها جميعا، ومضيف إليها فوائد مما لم يرد بها؛ حتى لكأنه مجموعة من الكتب لا كتاب واحد! وذلك من نعم الله الكريم على هذه الأمة؛ حتى يتسنى لكل إنسان أن يسلك إلى ربه، حسب مؤهلاته الفطرية، ومواهبه الجبلية. فرُبّ شخص تميل به فطرته إلى الزهد والتقلل، ورب آخر يميل إلى الاستدلال العقلي، وآخر إلى التفكر والتدبر، وآخر إلى التفقه والتعلم، والبحث في دلائل الإعجاز... إلخ. وكلها طرق موصلة عبر القرآن الكريم إلى الله. ولذلك كان جامعا لها جميعا من حيث الإمكانات التي يتيحها للإنسان في سيره إلى الله. ومن ألطف ما ورد لدى النورسي من التعبير عن ذلك قوله:
... (إن الجهات الست للقرآن الكريم منورة وضاءة، لا تدنو منها الشبهات والأوهام؛ لأن:
من ورائه العرش الأعظم يستند إليه، فهناك نور الوحي.
وبين يديه سعادة الدارين، يستهدفها، فقد امتدت ارتباطاته وعلاقاته بالأبد والآخرة. فهناك نور الجنة ونور السعادة.
ومن فوقه تتلألأ آية الإعجاز وتسطع طغراؤه.
ومن تحته أعمدة البراهين الرصينة والدلائل الدامغة، ففيها الهداية المحضة.
وعن يمينه يقف استنطاق العقول وتصديقها، لكثرة ما فيه (أفلا يعقلون).
وعن يساره استشهاد الوجدان؛ حتى ينطق من إعجابه: (تبارك الله) بما ينفخ من نفحات روحية للقلب)(1).
(1) المكتوبات:2/248.