إن الرسالة القرآنية قائمة على إثبات هذه المقاصد؛ لتكون هي أساس (الوظيفة) التي نزل القرآن الكريم من أجلها. أعني الهدف الأسمى الذي يمثل المفهوم الرسالي للقرآن الكريم. ذلك أن إثبات المقاصد الأربعة لم يكن من أجل إثباتها لذاتها؛ لأنها ثابتة بالأصالة عند الله عز وجل، وإنما كان الإثبات مقصودا من أجل أن يقوم الإنسان بوظيفة العبودية لله الواحد القهار، ويؤدي خدمته التي أنيطت به في هذا الكون، ألا وهي التعلق بأنوار الأسماء الحسنى، والانتساب إلى دائرة الربوبية من خلال دائرة العبودية؛ ومن هنا كانت (رسالة القرآن) هي تعليم الناس شؤون الدائرتين. يقول بديع الزمان: (الوظيفة الأساسية للقرآن الكريم هي تعليم شؤون دائرة الربوبية، وكمالاتها، ووظائف دائرة العبودية وأحوالها.)(1). وبهذا المعنى كان القرآن الكريم هو (المعراج) التعبدي للعبد السائر إلى الله. ذلك أن الدخول إلى (الحقيقة) من باب خدمة القرآن والاشتغال به؛ هو (المعراج القرآني الذي يعلنه ببلاغته المعجزة، فلا يوازيه طريق في الاستقامة والشمول، فهو أقصر طريق وأوضحه، وأقربه إلى الله، وأشمله لبني الإنسان. ونحن قد اخترنا هذا الطريق!)(2).
4 - عرضه الكثرة من عين الوحدة:
إن القرآن الكريم بمفهومه الكوني قائم على مبدأ التوحيد، الذي يقوم بدوره على تفسير الكثرة القائمة في الكون بإرجاعها إلى الوحدة. فما دام الله رب العالمين هو سبحانه وتعالى: (خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ)(الأنعام:141)؛ فإن (كل شيء) خاضع له عز وجل - طوعا أو كرها - وشاهد له بالوحدانية. إذ لا حياة، ولا بقاء، ولا كينونة؛ لأي شيء؛ إلا بمقدار ما يعكس من أنوار الأسماء الحسنى.
ومن مقتضيات هذا المفهوم أيضا: أن الرسائل السماوية جميعها، والأنبياء كلهم؛ إنما هم لوظيفة واحدة، ورسالة واحدة، لخصها القرآن جميعها في أسلوب واحد!
(1) الكلمات:1/293.
(2) صيقل الإسلام:8/123.