وهذه الجملة كافية لبيان الدلالة المفهومية العظيمة للقرآن. ذلك أن الله تبارك وتعالى لم يكن يتكلم بالقرآن وكفى. ولكنه كان يخاطب به مخاطبا ما. ذلك المخاطب هو الإنسان. وهذه حقيقة من أعظم الحقائق التي قتلها (التعود) البشري الذي يطمس كثيرا من الحقائق العظيمة في هذا العالم. ولعل النورسي بتفكره وتدبره قد اهتز وجدانه لهذه الحقيقة الكبرى. فكان أن وجد نفسه منجرفا بشكل وجداني لخدمة هذا القرآن. ومن هنا انبنى مشروعه كله على هذا الهدف غاية ووسيلة. أي أنه جعل القرآن غايته وهو في الآن نفسه وسيلته. ومن هنا جاء في تعريف القرآن لديه، مما سبق ذكره: (وكذا هو مربّ للعالم الإنساني. وكالماء وكالضياء للإنسانية الكبرى التي هي الإسلامية. وكذا هو الحكمة الحقيقية لنوع البشر، وهو المرشد الهادي إلى ما خُلق البشر له. وكذا هو للإنسان: كما أنه كتاب شريعة كذلك كتاب حكمة. وكما أنه كتاب دعاء وعبودية كذلك هو كتاب أمر ودعوة. وكما أنه كتاب ذكر، كذلك هو كتاب فكر).
فأنت ترى أن النورسي لم ينظر إلى القرآن - في جانبه التشريعي - على أنه مجرد مصدر من مصادر التشريع، أو المصدر الأول للتشريع وكفى! كما هو منصوص عليه في البحوث الأصولية والفقهية. بل لقد نظر إلى هذه الشريعة القرآنية على أنها تربية للعالم الإنساني، ونور له في عالم الظلمات، تهديه إلى منابع الخير والجمال، لتنتهي به إلى غاية الغايات: ألا وهي الوصول إلى الله. ومن هنا كان القرآن عنده (معراجا) للمؤمنين.