يقول النورسي: (فكأن القرآن المنزل عليه - صلى الله عليه وسلم - قراءة لآيات الكائنات)(1). ومعنى ذلك أنه كتاب كاشف للغز الحياة بصورة بسيطة. فهو يقدم الصعب المعقد تقديما سهلا ميسرا؛ ولذلك سهل على العامة؛ بل حتى على الأميين؛ (قراءة) مقاصده من خلال أبعاده الكونية؛ إذ يلفت الانتباه إلى مظاهر الكون التي يبصرها كل ذي عينين؛ ليتفكر في خلق السماوات والأرض. كل على حسب طاقته، وسعة إدراكه، فيكون القرآن الكريم بكونيته هذه خطابا لجميع الناس، بجميع مستوياتهم الثقافية، واختلافاتهم اللغوية والعرقية. وهو ضرب من ضروب الإعجاز. يقول بديع الزمان: (انظر إلى درجة رحمة القرآن الواسعة، وشفقته العظيمة على جمهور العوام، ومراعاته لبساطة أفكارهم، ونظرهم غير الثاقب إلى أمور دقيقة! انظر كيف يكرر ويكثر الآيات الواضحة، المسطورة في جباه السماوات والأرض! فيقرئهم الحروف الكبيرة التي تُقرأ بكمال السهولة، كخلق السماوات والأرض، وأمثالها من الآيات، ولا يوجه الأنظار إلى الحروف الدقيقة المكتوبة في الحروف الكبيرة إلا نادرا، كيلا يصعب الأمر عليهم. ثم انظر إلى جزالة بيان القرآن وسلاسة أسلوبه وفطريته، كيف يتلو على الإنسان ما كتبته القدرة الإلهية، في صحائف الكائنات؛ من آيات؛ حتى كأن القرآن قراءة لما في كتاب الكائنات وأنظمتها، وتلاوة لشوون بارئها المصور، وأفعاله الحكيمة. فإن شئت استمع بقلب شهيد لقوله تعالى: " عَمَّ يَتَسَاءلُونَ " و" قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ"(آل عمران:26) وأمثالهما من الآيات الكريمة)(2).
(1) اللمعات:3/498.
(2) اللمعات:3/196.