تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اغتررت به في الحقيقة، فافترضت القرآن قول بشر، ونظرت إليه من تلك الزاوية، وإذا بي أرى نفسي في ظلام دامس! فقد انطفأت أضواء القرآن الساطعة! وعم الظلام الأرجاء، كما يعم الجامع كله؛ إذا مس أحدهم مفتاح الكهرباء. فعلمت عندها أن المتكلم معي هو شيطان، يريد أن يوقعني في هاوية. فاستعصمت بالقرآن نفسه، وإذا بنور يقذفه الله في قلبي، أجد نفسي به قويا قادرا على الدفاع. وحينها بدأت المناظرة مع الشيطان على النحو الآتي:

قلت: أيها الشيطان! إن المحاكمة الحيادية، دون انحياز إلى أحد الطرفين: هي التزام موضع وسط بينهما، بيد أن المحاكمة الحيادية، التي تدعو إليها أنت وتلاميذك من الإنس؛ إنما هي التزام الطرف المخالف! فهي ليست حيادية، بل خروج عن الدين مؤقتا! ذلك لأن النظر إلى القرآن أنه كلام بشر، وإجراء محاكمة عقلية، في ضوء هذا الفرض؛ ما هو إلا اتخاذ الطرف المخالف أساسا، والتزام للباطل أصلا. وليس أمرا حياديا، بل هو انحياز للباطل وموالاة له.

فقال الشيطان: افرضه كلاما وسطا، لا تقل إنه كلام الله، ولا كلام بشر!

قلت: وهذا أيضا لا يمكن أن يكون قطعا (...) فالقرآن الكريم متاع ثمين، وبضاعة سامية، ومال رفيع لله. والبعد بين الطرفين بعد مطلق، لا يحده حد! إذ هو البعد ما بين كلام رب العالمين وكلام البشر (...) لا وسط بينهم إطلاقا! لأنهما كالوجود والعدم، فلا وسط بينهما! ولهذا ينبغي أن يقبل الأمر هكذا، وسوق الأدلة في ضوئها أي أنه بيده سبحانه. إلا إذا استطاع الطرف الآخر دحض جميع البراهين المشيرة إلى أنه كلام الله، وتفنيدها الواحد تلو الآخر؛ عندئذ يمكنه أن يمد يده إليه، وإلا فلا!)(1).

(1) المكتوبات:2/399ـ400.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩١٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩١٠