تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن (مفهوم القرآن) بهذا المعنى؛ يمتد عبر الكون كله؛ انطلاقا من نور الاسم الأعظم؛ إلى صناعة التاريخ الإنساني في الأرض! ومن التكوين الأول إلى التكوين الثاني، أو من الدنيا إلى الآخرة! من هنا إذن؛ ما كان لبشر أن يحد القرآن، من حيث هو (كلام رب العالمين)؛ إلا أن يجد (لمعة من تعريف القرآن). وإلا فإنه لا حد له إلا أن تقول: (القرآن هو: القرآن)!

ومن هنا رفض الأستاذ النورسي أن يقبل بحث القرآن بحثا (محايدا)، على طريقة المتغربين المخدوعين! إذ جزم أنه (مفهوم) عال علوا مطلقا، بحيث لا يقارن بغيره، ولا يصح افتراض أي وسط بينه وبين ما سواه. وأي محاولة لذلك تعتبر - عنده رحمه الله - خروجا عن منهج العلم الحق!

ومن أطرف ما ورد في ذلك من كلامه وأعجبه؛ قصة هي عبارة عن محاورة نفسانية، دارت على شكل مناظرة خفية، داخل خواطره؛ كان التناظر فيها دائرا بينه وبين الشيطان لعنه الله! ذلك أن إبليس اللعين حاول إقناعه باعتماد منهج (حيادي) في دراسة القرآن الكريم، أو على الأقل: منهج (وسط). فردّ النورسي ذلك كله بأدلته وحججه التي أثبتت أنه، لا يمكن تدبر القرآن إلا لمؤمن به، كما أنه لا وسط بينه وبين غيره، كما لا وسط بين الخالق والمخلوق، إذ الوجود: إما خالق أو مخلوق. ولا ثالث لهذين الاحتمالين!

ولقيمة القصة في توضيح ما نحن فيه، من دراسة مصطلحية، نوردها؛ لزيادة توضيح (مفهوم القرآن)، أو (ما القرآن؟) لدى بديع الزمان. قال رحمه الله:

(كنت أنصت يوما إلى القرآن الكريم من حفاظ كرام في جامع بايزيد باستانبول، وذلك في أيام شهر رمضان المبارك، وإذا بي أسمع كأن صوتا معنويا صرف ذهني إليه، دون أن أرى شخصه بالذات، فأعرت له السمع خيالا، ووجدته يقول:

- إنك ترى القرآن ساميا جدا ولامعا جدا، فهلا نظرت إليه نظرة حيادية؟ ووازنته بميزان محاكمة عقلية حيادية؟ أعني: افرض القرآن قول بشر! ثم انظر إليه بعد هذا الفرض هل تجد فيه تلك المزايا والمحاسن؟

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٩٠٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٩٠٩