إن ما بهر النورسي من ذلك، وأفاض مشاعره؛ هو أن القضية هنا هي من العظمة والرهبة؛ بحيث يستحيل على القلب البشري تحمل مواجيدها! بدءا بالتفكر في هذا الكون الشاسع، الممتد في فضاءات لا يحدها بصر ولا تصور ولا خيال! وما يسبح في من نجوم وكواكب ومجرات وسدم غائرة بعيدة بملايين السنوات الضوئية، وما يحيطها من سماوات بعضها فوق بعض، وما يعمرها من خلائق نورانية، مما لا يدرك له كنه، ولا صورة، إلى ما بين هذا وذاك، من طبقات الزمان المختلفة؛ عدا، وتقديرا، ونسبة، من الأيام والسنوات، قد يختزل اليوم الواحد منها (أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ)(السجدة:5) إلى (خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ)(المعارج:4)! ورب هذه العوالم جميعها، الخالق لها، والمحيط بأزمنتها وأمكنتها كلها، المدبر شؤون حياتها ومماتها وأرزاقها، بقيوميته الممتدة من الأزل إلى الأبد، المالك زمام أحوالها بأنوار أسمائه الحسنى وصفاته العلى، سبحانه وتعالى! هذا الرب الرحمن الرحيم، والملك العظيم، المتنزه في مطلق علوه، وسموه، وجلاله، وكبريائه؛ يقَدّر برحمانيته ورحمته أن يكرم الإنسان، هذا المخلوق الضعيف الضئيل، القابع في الأرض هذا الكوكب الضئيل السابح في بحر عظيم زاخر بأمواج السدم والمجرات، فيكون من أعظم مقامات هذا التكريم؛ أن يخاطبه بهذا الكلام الإلهي العظيم: القرآن الكريم!
فكيف للنسبي الفاني أن تتحمل مواجيده كلام المطلق الباقي؟ كيف للقلب المحكوم بالزمان والمكان، أن تستوعب خفقاته المعدودة، وأنفاسه المحدودة؛ وقع الكلام الخارق للزمان والمكان؟