فالنورسي رحمه الله ملم طبعا بتعريفات المفسرين وعلماء القرآن، لكنه لم يكن يقصد في بيان (مفهوم القرآن)؛ إلى صياغة تعريف رسمي أو حدّي - على طريقة المناطقة - غايته حصر العقول في معنى (القرآن) من حيث هو (مصحف مكتوب)، بما لا يدع مجالا للخلط بينه وبين غيره، أو تحريفه بالزيادة والنقصان، فتلك غاية تكفل الله بها سبحانه، إذ قال عز وجل: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)(الحجر:9). وعلماء القرآن والمفسرون ثم حفاظ الأمة من ورائهم، هم الذين سخرهم الله جل جلاله؛ لتنفيذ هذه المهمة العظيمة. إلا أن بديع الزمان ما كان يسعى إلى هذا، بقدر ما كان يسعى إلى محاولة تعريف (القرآن) من حيث هو (كلام رب العالمين) المتوجه برسالته إلى الإنسان حامل الأمانة! فكأنه رحمه الله كان يروم تعريف (القرآن) من حيث هو مضمون، ومقاصد، لا أحرف ورسوم. بمعنى أنه كان يحاول تعريف القرآن من حيث هو رسالة ربانية، تحدد غاية الوجود البشري في الكون، وتلخص قصة التكوين، وترسم للإنسان مدار فلكه الذي ينبغي له أن يسلكه إلى ربه.
وهنا مكمن الصعوبة، أو قل المغامرة؛ وذلك راجع إلى الطبيعة (المطلقة) لهذا المصطلح من جهة، فهو كلام الله جل جلاله؛ وإلى كون الأستاذ إنما حاول تعريف (القرآن) عبر (المشاهدة) و(التفكر الوجداني). وهو مما يصعب - إن لم يستحل - نقل معانيه عن طريق اللغة الواصفة!