لقد تحاشى بديع الزمان - في تعريفه للقرآن - التعريف المنطقي التقليدي للمصطلحات والمفاهيم، من (حدود) و(رسوم)، وجاء بتعريف (ذوقي)، لا يطمع إلى الإحاطة بالمفهوم، إذ كلمات الله لا يحيط بها أحد، وإنما حاول خلاله (تذويق) المتذوقين: (ما القرآن؟). و(الذوق) لا يقع في العادة إلا على جزء. لكنه إذا كان ذوقا صحيحا أنبأك عن طبيعة الباقي على الجملة، وصور لك مخايل المعنى الكلي غيبا، وغمرك شوقا إلى تذوق الباقي. ومن هنا سمى النورسي ما صاغه من تعريف لمصطلح القرآن: (لمعة من تعريف القرآن)(1).
وبالرغم من أنه سماه (لمعة)؛ إلا أنه لم يرد في جملة واحدة، أو جمل قصيرة على غرار التعريفات المنطقية القائمة على تحديد الفصول والخصائص. بل جاء في فقرات من البيانات الإشارية، والعبارات الذوقية؛ لأن النورسي رحمه الله كان يعلم، بل كان يشعر و(يجد) أنه بإزاء الحديث عن (كلام الله)! وكفى بذلك عظمة أن لا يحدث عنه الإنسان إلا رمزا! وأي عبارة في اللغة بإمكانها أن تحيط بحرارة الشوق، وأنوار المشاهدة، التي تتدفق على قلب المشاهد لجمال القرآن وجلاله؟ والنورسي شاعر بذلك، ومعتبر له في تعريفه. قال رحمه الله: (إن الكلام الإلهي سبحانه لا نهاية له، وذلك بسر الآية الكريمة:( قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا) (الكهف:109))(2)
ونحن هنا بحول (قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي الله) نورد تعريفه أولا، ثم ندرسه؛ لبيان المقاصد التذويقية التربوية التي تضمنها، والفضاءات الوجدانية التي سبح فيها، وآثار ذلك كله على المتلقي مما هدف إليه النورسي وقصده في هذا التعريف.
قال رحمه الله: (فإن قلت: القرآن ما هو؟ قيل لك:
(1) إشارات الإعجاز:5/22.
(2) الشعاعات:4/189.