تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وربما كان الأصل - من حيث الوضع اللغوي - لمادة (قرأ) دالا على الجمع، فكانت (القراءة) - بمعنى: تلاوة الحروف - من فروعه، من حيث إن القارئ يجمع الحروف ويضم بعضها إلى بعض عند التلاوة؛ إلا أن الإشكال هنا هو: هل اسم (القرآن) من الجمع بمعنى الوضع الأول، أم بمعنى القراءة والتلاوة التي هي فرع استعمالي؟

فرغم أن أغلب كتب اللغة - كما رأيت - مالت إلى ترجيح الأول فإن أبا جعفر الطبري (المتوفى سنة:310هـ) مال في تفسيره - وهو من الأصول اللغوية أيضا - إلى ترجيح الثاني. أي أن (القرآن) - عنده - إنما سمي كذلك؛ لأنه يقرأ بمعنى: يتلى، وليس بمعنى يُجمع. قال رحمه الله: (فأما القرآن: فإن المفسرين اختلفوا في تأويله. والواجب أن يكون تأويله على قول ابن عباس، من التلاوة والقراءة. وأن يكون مصدرا، من قول القائل: قرأت القرآن، كقولك الخسران من خسرت، والغفران من غفر الله لك. (...) وأما على قول قتادة، فإن الواجب أن يكون مصدرا، من قول القائل: قرأت الشيء إذا جمعته وضممت بعضه إلى بعض. كقولك ما قرأت هذه الناقة سلاً قط: تريد بذلك أنها لم تضم رحما على ولد (...).

ولكلا القولين، أعني قول ابن عباس وقول قتادة اللذين حكيناهما وجه صحيح في كلام العرب. غير أن أولى قوليهما بتأويل قول الله تعالى: " إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ قرآنه"(القيامة:17-18) قول ابن عباس؛ لأن الله جل ثناؤه أمر نبيه في غير آية من تنزيله باتباع ما أوحي إليه، ولم يرخص له في ترك اتباع شيء من أمره إلى وقت تأليفه القرآن!)(1).

(1) جامع البيان:1/42ـ43.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٩٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٩٧