قال بديع الزمان: (إن انشقاق القمر ليس حادثة حدثت من تلقاء نفسها، بناء على أسباب طبيعية وعن طريق المصادفة! بل أوقعها الخالق الحكيم - رب الشمس والقمر - حدثاً خارقاً للسنن الكونية، تصديقاً لرسالة رسوله الحبيب - صلى الله عليه وسلم -، وإعلاناً عن صدق دعوته)(1). وقال في سياق الشرح والبيان: (الشرع التكويني - أو السنة الكونية - الذي هو المشيئة والتقدير الإلهي الصادر من صفة "الإرادة الإلهية")(2).
ولأن الأمر كذلك، أي بما أن السنن الكونية هي أسرار التسخير الكوني، وقوانين الطبيعة الجارية؛ فإن بديع الزمان أولاها اهتماما خاصا؛ إذ عليها قيام النهضة المادية. وحيازة قصب السبق الحضاري في المجال الدنيوي. وهو أمر مهم جدا في حياة المسلمين، من حيث قانون التدافع الحضاري مع الأمم الأخرى من جهة، ومن حيث إن الدنيا مزرعة للآخرة من جهة أخرى. ولذلك قال رحمه الله: (وغالباً ما يرى (...) مطيع الشريعة والعاصي لها جزاءه وثوابه في الدار الآخرة. (...) ومطيع السنن الكونية والعاصي لها غالباً ما ينال عقابه وثوابه في الدار الدنيا)(3). ومن هنا كان نداؤه للأمة الإسلامية عاليا؛ من أجل التنبيه والانتباه إلى هذا الأمر الخطير، قال رحمه الله في خطبته الشامية الشهيرة: (يا أولياء الأمور! إن أردتم التوفيق فاطلبوه في موافقة أعمالكم للسنن الإلهية في الكون - أي قوانين الله - وإلاّ فلن تحصدوا إلاّ الخذلان والإخفاق!)(4)
(1) الكلمات:704.
(2) الكلمات: 872.
(3) الكلمات: 872.
(4) صيقل الإسلام: 531.