ومثل له قبل ذلك بمثال عجيب، قال: "وهكذا فإن موسم الربيع المزدان بالمصنوعات الجميلة، على سطح الأرض، الشبيه بمزهرة عظيمة، إنما هو زهرة ناضرة تزول في الظاهر، وتذهب إلى العدم. بيد أنه - أي الربيع - يترك الحقائق الغيبية التي أفادها بعدد بذوره، ويترك الهويات المثالية التي نشرها بعدد الأزاهير، ويدع الحِكَمَ الربانية التي أظهرها بعدد الموجودات!"(1) فهو إذن زوال وفناء مادي فحسب، لكنه بقاء معنوي سرمدي!
وللمسألة عنده رحمه الله بيانٌ آخر، أورده بمنطق مصطلحه الخاص في معاني الوجود والعدم النسبيين، وهو الوجود (بالمعنى الاسمي) والوجود (بالمعنى الحرفي)، وهو القسم الثاني من التقسيم السابق في النص الأول، قال:
(النقطة الثانية: لقد أوضحنا في كثير من "الكلمات": أن كل شيء فانٍ بمعناه الإسمي، وبالوجه الناظر إلى ذاته، إذْ ليس له وجود مستقل ثابت بذاته، وليست له حقيقة قائمة بذاتها وحدها. ولكن الشيء في الوجه الناظر إلى الله سبحانه - أي إذا صار بالمعنى الحرفي - فليس فانياً؛ لأن فيه جلواتٍ ظاهرةً لأسماء باقية، فلا يكون معدوماً؛ لأنه يحمل ظلاً لوجود سرمدي، وله حقيقة ثابتة، وهي حقيقة سامية؛ لأنها نالت نوعاً من ظل ثابتٍ لاسم باقٍ!(2).
ثم إن قوله تعالى: (كلُّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وَجْهَه) هو سيفٌ ليقطع يد الإنسان عمّا سوى الله تعالى! حيث إن الآية تقطع العلائق مع الأشياء الفانية، في دنيا فانية، في غير سبيل الله. فحكم الآية الكريمة أنها تنظر إلى الفانيات في الدنيا، بمعنى أن الشيء إن كان في سبيل الله، أي إن كان بالمعنى الحرفي، أي إن كان لوجه الله؛ فلا يدخل ضمن ما سواه تعالى! أي لا يُضْرَبُ عنقُه بسيف الآية الكريمة: (كلُّ شيءٍ هالكٌ إلاّ وَجْهَه).
(1) المكتوبات:380.
(2) ينظر شرح هذين المفهومين عند النورسي: (الوجود بالمعنى الاسمي) و(الوجود بالمعنى الحرفي) ضمن دراسة مصطلح: (التوحيد) بالفصل الأول من هذا البحث.