تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إن العدم المطلق لا وجود له أصلاً؛ لوجود العلم المحيط، علماً أنه لا شيء خارج دائرة العلم الإلهي، كي يُلقى إليه شيء. والعدم الموجود ضمن دائرة العلم هو عدم خارجي، وعنوانٌ صار ستاراً على الوجود العِلْمي، حتى حدا ببعض العلماء المحققين إلى التعبير عن هذه الموجودات العلمية بأنها "أعيان ثابتة". لذا فالذهاب إلى الفناء، إنما هو نزع الأشياء لألبستها الخارجية مؤقتاً، ودخولها في وجود معنوي وعِلْمِي، أي أن الهالكات والفانيات تترك الوجود الخارجي وتلبس ماهياتها وجوداً معنوياً، وتخرج من دائرة القدرة؛ داخلة في دائرة العلم!)(1).

والمقصود بـ(دائرة القدرة) ههنا: تجليات القدرة الإلهية في عالم الأفعال، وليس المعنى أن هنالك شيئا يخرج عن دائرة قدرة الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا! وإنما المقصود أن الشيء إذْ تنقطع عنه إرادة الإيجاد الإلهية؛ يفنى فورا! إذْ وجوده الحقيقي إنما هو بالله! فيخرج من (دائرة القدرة) إلى (دائرة العلم)، بمعنى أنه حينما يفنى بذاته فإنه يبقى بعلم الله تبارك وتعالى! وهذا معنى لطيف جدا! فيه من مشاهدة جمال التوحيد وجلاله حقائقُ إيمانية في غاية السمو والصفاء!

وبيان ذلك إنما ورد في سياق آخر عنده بصورة أوضح، قال رحمه الله: "إن الأشياء لا تمضي إلى العدم، ولا تصير إلى الفناء، بل تمضي من دائرة القدرة إلى دائرة العلم، وتدخل من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، وتتوجه من عالم التغير والفناء إلى عالم النور والبقاء! وإن الجمال والكمال في الأشياء يعودان إلى الأسماء الإلهية، وإلى نقوشها وجلواتها من زاوية نظر الحقيقة"(2).

(1) المكتوبات:74-75.

(2) المكتوبات: 371.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٨١