وإنما نبين ههنا طبيعة هذه (المناقضة)؛ ببيان حقيقة (العدم) ومفهومه، كما شاهده الأستاذ النورسي، في مقابلته لحقيقة الكون والوجود. فله عنده خصوصُ نظر، وتفرد إبصار! وذلك أنه - رحمه الله – أوغل بنا في النظر لهذا المفهوم إلى آخر حدود مدركات العقل البشري! فكانت له بذلك مشاهدات ذات عمق سحيق، تضرب في أبعاد النظر العقلي وأغوار الإبصار الذوقي الوجداني، بما يصعب على الفكر أن يتابعه بدقة متناهية! لقد وقف بنا النورسي بنظره هذا على شاطئ بحر العلم الإلهي المطلق! فقال لنا: انظروا هناك! فمن ذا قدير على التحديق في النور الخارق؟ وجرِّبْ إن شئتَ؛ (يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ!)(الملك:4) حيث لا قدرة لمخلوق على الخوض، وإلا فيكون من الهالكين!
إن (العدم) الذي نسميه نحن عادة بهذا الاصطلاح؛ إنما هو نقيض مفهومي بسيط لمعنى الوجود. أو قُلْ: هو غيابٌ للوجود، وليس نقيضا حقيقيا له! ذلك أن العدم المحض هو من المستحيلات على التصور والإدراك! نعم، ولو على المستوى الذهني المجرد! فكيف إذن يكون له مفهوم ومعنى؟ والعدم بما يتحدث عنه الفكر البشري هو: معنى من المعاني! هذا خُلْفٌ إذن!
ولهذا فإن النورسي ميَّزَ بين معنيين للعدم: أحدهما هو ما اصطلح عليه بـ(العدم الخارجي)، والآخر سماه: (العدم المطلق) أو (الفناء المطلق). فهذا إنما هو اسم على غير مسمى! إذْ لا حقيقة لوجوده الذهني أو التصوري! وأما (العدم الخارجي) فهو فناء باعتبار خروجه من عالم (الوجود بالفعل)، إلى عالم (الوجود بالقوة)، أو بتعبير النورسي من دائرة تجليات (القدرة الإلهية) في عالم الشهود؛ إلى دائرة مكنونات (العلم الإلهي) في بحار الغيوب! فهو إذن؛ له حقيقة وجودية معنوية، كما سترى بحول الله موضحا بأمثلته البيانية.