تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإذا كان ذلك كذلك؛ ولم يكن ممكنا لهذا الوجود أن يتحرك إلا بحياة، ممتدة من عالم الشهادة إلى عالم الغيب، فلا بد إذن للإنسان أن يعلم هذه الحقيقة؛ وإلا تاه عن إدراك هذا المغزى، وفاتته حقيقة الحياة، فلا يتمكن من ربط حياته هذه بالحياة الممتدة في الغيب، حياة الدار الآخرة التي هي الحياة حقا، للإنسان وللكون أجمع. فإذن كان لا بد من إنزال الرسل بأخبار الغيب، تمد الوعي البشري بنبأ الحياة، وتصله بالله والدار الآخرة، حيث تمتد الحياة إلى الأبد (وَإِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) (العنكبوت:64) أي هي الوجود الممتلئ حياة، فلا موت ولا فناء. والكون كله حينئذ سيكون حيا بحياة الإنسان، إذ يعاد الخلق الكوني من أجل الإنسان، حتى يقام له ما وعده ربه من خلود في الجنة أو الأخرى نعوذ بالله منها. فإنما الكون كالإنسان خلق ليحيى. قال بديع الزمان: ( نعم! ما دام الكون قد خُلق لأجل الحياة، وأن الحياة هي أعظم تجل، وأكمل نقش، وأجمل صنعة للحي القيوم جلّ جلاله. وما دامت حياته السرمدية الخالدة تظهر وتكشف عن نفسها بإرسال الرسل وإنزال الكتب. إِذ لو لم تكن هناك "رسل" ولا "كتب" لما عُرفت تلك الحياة الأزلية، فكما أن تكلم الفرد يبين حيويته وحياته؛ كذلك الأنبياء والرسل عليهم السلام والكتب المنزلة عليهم)(1).

(1) الكلمات: 118.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٧٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٧٥