وبغير هذا الفهم الحيوي للكون يكون الوجود كله طلسما مخيفا، يملأ عيشنا الفاني وحشة، وفزعا، وقلقا، وضلالا. ولله در بديع الزمان إذ يقول: (نعم، إن مثل هذا التجلي، تجلي الحياة الذي هو ضياء شمس الحياة الأزلية لن ينحصر في عالم الشهادة هذا فقط، ولا في هذا الزمان الحاضر، ولا في هذا الوجود الخارجي، بل لابد أن لكل عالم من العوالم مظهراً من مظاهر تجلي ذلك الضياء حسب قابليته. فالكونُ إذن بجميع عوالمه، حيّ ومشع مضيء بذلك التجلي، وإلاّ لأصبح كل من العوالم - كما تراه عين الضلالة - جنازة هائلة مخيفة تحت هذه الدنيا المؤقتة الظاهرة، وعالماً خرباً مظلماً)(1). فلا نور له إلا بالمسارعة إلى التعلق بأسماء الله الحسنى، مصابيح كل حي، ومدده من الحياة. من حيث إن الأسماء هي قنوات تزويده بالحياة، ونقاط ربطه بمصدرها المشع. فهي إذن -كما تبين قبل- مدد وجوده. ولذلك كانت أنوارها الساطعة عليه مكامن الحياة فيه، وآثارها هي أسرار تجليات الروح عليه. وذلك قول بديع الزمان: (كما أن الجسد يستند إلى الروح ويقوم بها وتُبعث فيه الحياة بها، واللفظ يتنور على وفق المعنى، والصورة تستند إلى حقيقة وتتزود منها قيمتها. كذلك هذا العالم، عالم الشهادة المادي الجسماني إنما هو جسد، ولفظ، وصورة، يستند إلى الأسماء الإلهية المحتجبة وراء ستار عالم الغيب، فهو يحيى بتلك الأسماء التي تبعث فيه الحيوية، ويتوجه إليها، فيزداد جمالاً وبهاءً)(2).
(1) الكلمات: 120.
(2) الشعاعات: 88.