تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من هنا إذن كانت الحياة أهم حقيقة في الكون. وأعظم تجل للوجود الحق، وجود واجب الوجود جل جلاله. فدل ذلك على عمق معنى الحياة وامتدادها المطلق في الغيب. فما من شيء إلا وهو يحيل على الوجود الحق، باعث الحياة وواهبها سبحانه وتعالى، حتى ولو كانت نملة. أليست شيئا يفيض بالحياة؟ فإذن لا شك أن حقيقتها أعظم من أن تسعها عقولنا ولا حتى هذه الأرض؛ ذلك أنك (إذا وازنت النملة بميزان الوجود، فالكون الذي تنطوي عليه النملة بسر الحياة، لا تسعه كرتنا الأرضية)(1).

إلا أن بديع الزمان قد يذكر إلى جانب حقيقة الحياة في ماهية الكون حقائق أخرى مترابطة فيما بينها، إذ يؤدي بعضها إلى بعض، ويؤول أولها إلى آخرها، في حلقة واحدة: هي الكون. فهي بمجموعها تكون ماهيته، وهي: (الوجود، والنور، والرحمة، والحياة). فهذه العناصر المعنوية الأربعة هي التي تشكل طبيعة ماهيته. وذلك قوله رحمه الله: (إن أهم حقيقة في الكون وأثمن ماهية فيه هي الوجود، الحياة، النور، الرحمة. وان هذه الأربعة متوجهة مباشرة ودون وسائط وحجب إلى القدرة الإلهية ومشيئتها الخاصة، بينما تحجب الأسباب الظاهرة في المصنوعات الإلهية الأخرى تصرّف القدرة الإلهية، وتستر القوانين المطردة والقواعد الثابتة - إلى حدٍ ما - الإرادة الإلهية ومشيئتها، إلاّ أن تلك الحجب والأستار لم توضع أمام الحياة والنور والرحمة؛ لعدم جريان حكمة وجودها في تلك الأمور)(2).

(1) الكلمات: 845.

(2) اللمعات: 167.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٧١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٧١