بهذا إذن تتأكد حاجة الكائنات المستمرة لمنبع الحياة والوجود. إن الحاجة كلما تعمقت في الوجدان؛ أشعرت صاحبها بالشوق إلى الذات المالكة لتلك الحاجة. وإنما الشوق هو المولد للمحبة الجاذبة. وقد تبين أن حاجة الكون هي للوجود أولا، ولا مالك لذلك إلا الذي وهبه إياه، الذي قال له: (كن فيكون!) وبدون هذا الأمر التكويني العظيم لا يكون شيء شيئا! فأي رغبة إذن، وأي شوق، يملأ قلب العبد - أي عبد من ذوي الأرواح وما سواهم - ويعطيه سكينة وطمأنينة؛ أكثر من أن يحظى بأمر: "كن"؟ فآل "الأمر التكويني" وكل أمر رباني إلى أن صار مصدرا للمحبة وباعثا على الشوق. وما أجمل قول بديع الزمان في تمثيله اللطيف، إذ قال: (إن قائد الجيش بأمره "تَقَدمْ" مثلما يحرّك الجندي الواحد فانه يحرّك الجيش بأكمله كذلك بالأمر نفسه. فحقيقة سر الطاعة هي أن لكل شيء في الكون - كما يشاهد بالتجربة - نقطة كمال، وله ميل إليها، فتضاعف الميل يولّد الحاجة، وتضاعف الحاجة يتحول إلى شوق، وتضاعف الشوق يكوّن الانجذاب، فالانجذاب والشوق والحاجة والميل.. كلّها نوىً لامتثال الأوامر التكوينية الرّبانية وبذورها من حيث ماهية الأشياء)(1).
ب5- الكون يفيض بالحياة:
(1) المثنوي العربي النوري: 274.