تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فأما معنى حركة الكون فهو ظاهر في التحولات الزمانية والمكانية التي تطبع وجوده. فكل شيء فيه سائر إلى غايته؛ فيما قدره الله له من أفلاك ومدارات أو معارج ومسارات: (وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ. وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ. لا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) (يس:38-40). وأما قيام تلك الحركة على المحبة؛ فلأن الأصل في الإنسان أنه يعبد ربه محبة فيه. وما العبادة إلا خالص المحبة وروحها. وإذا كان الإنسان كذلك وهو من هو: ثمرة شجرة الكون وفهرسته الجامع كما تبين بمحله من هذا البحث(1)؛ فإن سائر الكائنات تبع له في هذا. فهو الخليفة الذي تحمل أمانة العبادة الكلية الشاملة، والكائنات تبع له في ذلك. قال بديع الزمان: (العشق الإلهي العَذْب الذي يستحوذ على قلب الإنسان - وهو ثمرة شجرة الكون - يبين أن عشقاً خالصاً ومحبةً صادقة بأشكال شتّى، مغروزة في كيان الكون كله، وتتظاهر بأشكال شتّى. هذا الحب المالك قلب الكون يفصح عن محبوب خالد سرمدي)(2)؛ ومن هنا كان الكل - مما في الكون - يلهج بذكر الله: (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ وَلَكِن لاّ تَفْقَهُونَ) ( الإسراء:44). وما قوانين الجاذبية - عند النورسي - التي في تربط الأجرام بمداراتها وأفلاكها، إلا مواجيد المحبة، تعلقت بجمال الأسماء الحسنى، فسارت أبدا تجرى إلى رضى المحبوب الذي له الأسماء الحسنى جل جلاله. يقول: (في كل اسم من ألف اسم من الأسماء الإلهية الحسنى طبقات حُسن وجمال وفضل وكمال كثيرة جداً، كما أن فيها مراتب محبة وفخر وعزة وكبرياء كثيرة جداً. ومن هنا قال الأولياء المحققون الذين حظوا باسم الودود: إن جوهر

(1) انظر مصطلح "الإنسان" بهذا البحث.

(2) الكلمات: 818.

رسائل عن النورسية · الصفحة ٢٨٦٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

رسائل عن النورسيةص ٢٨٦٥