ومصطلح الشؤون مأخوذ من قوله تعالى (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)(الرحمن:29) وتفسير هذه الآية لدى علماء التفسير دال على كل معاني التصرفات الربانية في الكون، بما يرجع إلى ربوبيته تعالى وقيوميته. فكل التغييرات الجارية بين الموت والحياة في كل شيء، راجع إلى شؤونه عز وجل. وإذا كانت مظاهر الإحياء والإماتة، صورا تترى ههنا في الدنيا من خلال عكس الأرض مثلا لأسماء الله في تجولاتها بين الربيع والخريف ثم الربيع مرة أخرى بعد فصل الشتاء الدال على الموت في عالم النبات؛ فإن الكون كله محكوم بأسماء الله: المحيي المميت، الحكم، العدل، الباسط القابض، الرحمن الرحيم...إلخ فرحمته تعالى المستغرقة لكل شيء تقتضي أن يكون سبحانه حكما عدلا. وإنما تمام ذلك أن يبعث الناس ليوم النشور حيث تمام الجزاء. ومن هنا كان المسلم يقرأ سبع عشرة مرة في اليوم على الأقل: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ). إن أسماء الله الحسنى التي تعلق بها حدوث الكون هي السالكة به إلى وجوده الثاني في اليوم الآخر. (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) (الأنبياء: 104). يقول بديع الزمان: (نعم، إن الكون حادث، حيث نشاهد في كل عصر، وفي كل سنة بل في كل موسم عالَماً يرحل ويحطُّ آخرُ مكانه، تمضي كائنات، وتأتي أخرى. فالقدير ذو الجلال هو الذي يوجِد هذا العالم من العدم في كل سنة، بل في كل موسم، بل في كل يوم، ويعرضه أمام أرباب الشعور ثم يأخذه إلى الغيب، ويأتي مكانه بآخر، وهكذا ينشر الواحدَ تلو الآخر في تعاقب مستمر، معلقاً تلك العوالم بشكل متسلسل على شريط الزمان)(1). إن هذه الشؤون الربانية المتصرفة في الكون إنما هي آثار رحمة الله المتدفقة أنوارها من مشكاة السماء الحسنى، التي ألهمت بديع الزمان بإملاء رسالته العظيمة في (الحشر) ضمن كليات رسائل النور، كما سبق بيانه، وذلك بمقتضى قوله تعالى: (فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ
(1) الكلمات: 825.