وهذا المنطق هو الذي ساعد بديع الزمان على تثبيت عقيدة التوحيد الصافية، بمنهج عرفاني، دون أن يحيد عن عقيدة أهل السنة والجماعة، وما ذلك إلا بسبب ارتباطه الوثيق بالقرآن الكريم. مصدرا للبحث، ومجالا للتدبر، ومنهجا للعرفان. وقد رأيت كيف حكم بارتباط أحكام القرآن بالكون؛ حتى جعل الكون قرآنا منظورا. ومن هنا فرق بوضوح بين الخالق والمخلوق، ولم يلتبس عليه ما التبس على أهل العرفان في شطحاتهم من القول بوحدة الوجود. فخرجوا بذلك عن مقتضى الصراط المستقيم. كما سهل عليه تبين ما أشكل على بعضهم: كيف تقود الكثرة إلى الوحدة، وتؤدي إليها؟ أي كيف يصدر الكثير عن الواحد؟ وهو خلاصة عقيدة التوحيد التي كرس النورسي حياته لتثبيتها والدفاع عنها. وعدم إحكام ذلك إما يؤدي بصاحبه إلى القول بوحدة الوجود، أو إلى القول بتعدد الآلهة وكلاهما كفر صريح. فكانت نظرية صاحبنا مسلكا أمينا إذ سلك بتفكره الوجداني، وتدبره العقلاني مسلك القرآن, مستفيدا من أنوار الأسماء الحسنى، التي كانت الموجودات كلها بعض آثارها. وما تلك الأسماء بدورها إلا صفات ثابتة لله الواحد الأحد الفرد الصمد. سبحانه وتعالى عن خلقه علوا كبيرا. ذلك ما نجده في كلمة جامعة للنورسي قال رحمه الله: (إن حاكمية ألوف الأفعال العمومية الجارية في الكون ومئات الأسماء الإلهية المشهودة تجلياتها وكبرياؤها وكمالها وإحاطتها وإطلاقها ولاتناهيها، كل منها، برهان قوي للوحدانية والتوحيد)(1).
(1) الشعاعات: 24.