إن بديع الزمان بنى كل تصوراته التفكرية، ونظرياته التفسيرية على شجرة الأسماء الحسنى. فالكون كله عنده ليس إلا انعكاسا جماليا لأسماء الله الحسنى، من حيث إن صفاته تعالى المنيرة من أسمائه، تقتضي أن يكون لها أثر في الوجود، وهذا الأثر هو الكون نفسه. بمعنى أن صفة الخالقية، تقتضي أن يكون له مخلوق، وصفة المالكية تقتضي أن يكون له مملوك، وصفة الرازقية تقتضي أن يكون له مرزوق، وهكذا صفة الرحمة، والعدل، والمغفرة ...إلخ. حتى كان كل شيء في الكون إن هو إلا أثر من آثار رحمة الله وأسمائه الحسنى جل وعلا. ومن هنا كان رجوع الكون في سائر تجلياته الوجودية إلى تلك الأسماء انعكاسا لجمالها وجلالها. كما تعكس المرآة –ولله المثل الأعلى- نور الشمس. قال بديع الزمان في سياق الرد على ابن عربي: (إن النقوش التي توجد في مرايا الموجودات بقدرة الله وإرادته إنما هي من آثاره سبحانه وتعالى. فكل موجود إنما هو منه تعالى وهو الذي يوجده، وليس كل موجود هو، حتى يقال: لا موجود إلا هو. إذ للأشياء وجود، وهو وجود ثابت إلى حد ما، وان كان هذا الوجود وجودا ضعيفاً كأنه وهمي وخيالي بالنسبة إلى وجوده تعالى، إلا انه موجود بإيجاد القدير الأزلي وإرادته وقدرته.
إن للشمس المشهودة في المرآة وجوداً مثالياً عدا وجودها الخارجي الحقيقي. ولها وجود خارجي عرضي آخر يلون المرآة بزينته إذ تنبسط عليها صورتها. ولها وجود خارجي عرضي أيضاً، وهو وجود ثابت إلى حد ما وهو الصورة المنتقشة على الورقة الحساسة خلف المرآة. فكما أن للشمس وجودات هكذا في المثال كذلك الأمر في مرآة الكون ومرايا ماهية الأشياء. فان نقوش المصنوعات الظاهرة بتجليات الأسماء الإلهية الحسنى الحاصلة بالإرادة الإلهية واختيارها وقدرتها، لها وجود حادث غير وجود الواجب الوجود)(1).
(1) اللمعات: 55-56.